الصفحة الرئيسية

Business card templatesBusiness card templates Web Templates Logo templates Business card templates

  الصفحة الرئيسية / كتب منشورة / وجهات نظر مصرفية (ج2) / تأثير أزمة الخليج في الجهاز المصرفي الأردني

 

تأثير أزمة الخليج في الجهاز المصرفي الأردني

محاضرة ألقيت في جمعية البنوك في الأردن

بتاريخ 13/10/1990     تأثير أزمة الخليج في الجهاز المصرفي الأردني

باندلاع أزمة الخليج، لم يواجه الأردن موقفا سياسيا فحسب، بل واجه موقفا اقتصاديا أصعب . و قد كان هذا الموقف الصعب محصلة لعلاقات الأردن السياسية و الاقتصادية مع طرفي الأزمة، بالإضافة الى الضغوط الدولية التي تمارس عليه حتى يلتزم بقرارات مجلس الأمن، هذا الالتزام الذي أدى الى خسارته لحوالي 50 % من قيمة إنتاجه المحلي الإجمالي .

فمن جانب، ارتبط الأردن بالعراق و الكويت ارتباطا وثيقا من خلال كونهما سوقا لحوالي 30 % من صادراته الصناعية، و مصدرا لحوالي 40 % من حوالات مغتربيه، و مأوى لحوالي نصف مليون من أبنائه، و مصدرا لحوالي 85 % من احتياجاته النفطية، علاوة على كونهما مصدرا لحوالي 30 % من مساعداته العربية .

و من جانب آخر، يرتبط الأردن بالسعودية و دول الخليج الأخرى بروابط لا تقل قوة عن ارتباطه بالطرف الأول للأزمة، حيث يعمل عدد أكبر من أبنائه، و يتلقى قدرا أكبر من المساعدات الاقتصادية، كذلك فان وارداته من العملات الأجنبية المباشرة و غير المباشرة من هذه الأقطار أكبر، كما يصدر إليها الكثير من منتجاته الصناعية و الزراعية، و يستورد منها العديد من المواد الخام، و بخاصة المشتقات البترولية .

و بالرغم من الموقف القومي الصادق الذي اتخذه الأردن، و جهوده المضينة لاحتواء الأزمة و حلها عربيا، فقد تعرض لضرر كبير، و انقلبت كل الإيجابيات التي كان يتمتع بها لدى طرفي الأزمة الى سلبيات، حيث فرضت عليه مقاطعة العراق، و فرض الموقف في الكويت عودة قصرية لعامليه هناك دون أن يتمكنوا من جلب مدخراتهم، ليشكلوا عنصر ضغط على اقتصادنا، بعد أن كانوا مصدر رفد له . كما شهدت علاقاته مع دول الأمة الأخرى توترا سياسيا ملحوظا، أثر بشكل حاد في علاقاتنا الاقتصادية معها، و أصبحت هناك خشية من أن يؤدي هذا التوتر الى آثار سلبية على مغتربيه في هذه البلدان .

و قد كانت محصلة البدايات الأولى للأزمة، تعثر الصادرات الأردنية الصناعية و الزراعية، و تقلص العمل في ميناء العقبة و تجارة الترانزيت، و توقف السياحة الى الأردن و توقف عمل     (6000)  شاحنة أردنية، عدا شاحنات الأردنيين المسجلة في الكويت . و الى جانب ذلك كله، تهددت مصادرنا من الطاقة بسبب الحظر على المتاجرة مع العراق، و توقف تدفق النفط من خط التابلاين، الأمر الذي سيجبر الأردن على البحث عن مصادر بديلة ستكون كلفتها مضاعفة . كذلك، فقد حدث إرباك و زيادة في كلفة الموارد المستوردة للأردن عن طريق ميناء العقبة، بسبب الحصار البحري، و تفتيش السفن، و إجبارها على تفريغ شحناتها في موانئ عديدة أخرى .

و قد تفاقمت مشكلة البطالة بعد العودة القصرية للمغتربين من أراضي طرفي الأزمة، و زادت أعداد الباحثين عن فرص العمل، دون أن يجدوها . ليس هذا فحسب، بل و أغرقت الأردن أمواج الهاربين من أزمة الخليج، دونما مساعدة تذكر من المجتمع الدولي، الأمر الذي أوجد مزيدا من الضغط على موارده المحدودة، و استنفد جزء من احتياطي المواد الغذائية لديه، و لم يعوض بعد.

إن الوضع الراهن، المتضمن التزام الأردن بالحظر الاقتصادي على العراق، حمل الأردن خسارة ضخمة في وارداته من العملات الأجنبية تقارب 700 مليون دولار في الفترة من آب الماضي حتى نهاية العام الحالي، أي ما يقارب ( 1600 ) مليون دولار سنويا، و ذلك كنتيجة مباشرة لتوقف الصادرات الأردنية الى كل من مناطق التحويل الأخرى، و توقف المساعدات التي يتوقع الحصول عليها، و تراجع دخل قطاعي السياحة و النقل . و ستنعكس آثار هذه الخسارة على  القطاع النقدي، و الموازنة العامة، و الناتج المحلي الإجمالي، حيث يتوقع أن تصل خسارة الموازنة الى (400)  مليون دينار سنويا، نتيجة انخفاض الواردات، و عدم ورود المساعدات، كما يتوقع أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي خسارة بحدود (400) مليون دينار سنويا، كل ذلك الى جانب التراجع في نمو الناتج المحلي الإجمالي .

إن الخسائر المشار إليها هي الخسائر المباشرة للاقتصاد القومي (FYRST ROUND EFFECT )، حيث إن تأثير المضاعف (MULTIPLIER EFFECT) سوف يزيد من هذه الأعباء بمقدار 5,1 مرة من قيمة الخسارة الأولية .

و بعد هذه الصورة المختصرة للموقف الاقتصادي العام، التي كان لا بد منها كمدخل للحديث عن موقف المصارف الأردنية في ظل أزمة الخليج، ينتقل الباحث الى الموضوع الرئيس . و نظرا لتعدد الاحتمالات، و تشعب التوقعات، يرى الباحث أن يتناول الموضوع في ظل الاحتمال الأكثر حدوثا، الذي تصوره كمحصلة لتقديره لجميع الاعتبارات القائمة، برغم استداركه بأنه لا يوجد أحد يستطيع أن يضع نسبة تأكد عالية لاحتمال توقعه . فالاحتمالات كثيرة، و النتائج المتوقعة لا تقل عنها تعددا، لكن سيشار هنا الى ثلاثة احتمالات يمكن تصورها لمسار الأزمة، و هي :

1-         حل المشكلة سلميا خلال فترة قصيرة .

2-         اللجوء الى الخيار العسكري ضمن المدى الزمني المتوقع له، و هو ما بين نهاية الشهر الحالي و شهر شباط القادم، حيث يكون الاستعداد قد اكتمل و الجو قد اعتدل .

3-         استمرار الوضع الراهن فترة طويلة، رهانا على العقوبات الاقتصادية لتفعل فعلها، و تحقق النتائج التي تتطلع إليها الدول فارضة الحصار .

4-         و حيث إن الاحتمال الأول ضعيف و لا يوجد هناك واقع يؤيده بالرغم من انخفاض حمى الحرب و ظهور بعض الأصوات المنادية بالبعد عنها، لآثاره الرهيبة التي كان آخرها صوت بريجنسكي الذي قال بأن الخيار العسكري يؤدي الى حمامات دم عربية و أمريكية، و  أن أزمة الخليج تستدعي الحكمة و ليس الحرب .

و حيث أن الخيار الثاني مروع، و سيكون آثاره مدمرة على الأصعدة المادية و البشرية و السياسية و الجغرافية، و قد تنشأ عنه أوضاع جديدة قد تعيد رسم الخرائط من وجهة نظر من سيكون له الغلبة . لذا، و لتعقيدات هذا الاحتمال و صعوبة تصور أثاره و نتائجه، قرر الباحث الابتعاد عنه، لأنه يمثل الإفلاس الفكري و الخلقي و الحضاري لمن يعتبرونه خيارا مقبولا . 

و بعد استبعاد الاحتمالين الأول والثاني، يبقى هناك الاحتمال الثالث، وهو استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه لمدة قد تصل الى سنة، تبدأ بعدها الأمور بالانفراج، وتكون فرص الحديث عن حل سلمي قد بلورت سيناريوهات واضحة . هذا، ولا بد من الإشارة الى أن اختيار هذا السيناريو ليس لسهول الحديث عنه، و إنما لظهور الكثير من المؤشرات والتطورات المؤيدة لهذا التوجه التي أخذت تزيد من احتمالاته، مثل تليين الموقف الأمريكي، والمبادرة الفرنسية، والتحرك الياباني، وبوادر الخجل التي أخذت تظهر على بعض الأنظمة العربية المحرضة على إشعار الحرب . ويقوم هذا السيناريو على الفرضيات التالية :

1-         استمرار العلاقات بين الأردن وجميع الدول المجاورة مثل ما هي عليه الآن، دونما توتر إضافي يؤدي الى مزيد من الضغط على الوضع الاقتصادي العام .

2-         عدم وصول أية مساعدات عربية .

3-         شح المساعدات الدولية، التي نسمع عنها أكثر مما نراها .

4-         توقف الأردن التام عن خدمة ديونه الخارجية، سواء ديون نادي باريس، أو ديون نادي لندن حتى إشعار آخر .

في ظل مثل هذا الظرف، كيف سيتصرف الجهاز المصرفي الأردني؟ وما هي المخاطر التي سيواجهها؟ ومن ثم، فان الحديث اللاحق سيتناول بشكل رئيس موضوعين، هما :

1-             كيف سيتصرف الجهاز المصرفي الأردني لمواجهة الأزمة؟ وكيف ستدير المصارف التجارية ميزانياتها في ظل هذه الأزمة التي قد تطول ؟

2-             المخاطر التي قد يواجهها هذا الجهاز خلال فترة الأزمة، حيث سيتم الحديث عن المخاطر المتوقعة التالية :

أ‌-         خطر تدني نوعية الأصول .

ب‌-     خطر السيولة .

ج‌-       خطر هروب رؤوس الأموال .

 د- خطر المطلوبات .

            لكن قبل الحديث عن هذين الأمرين، سيتناول الباحث بشكل سريع خصائص الجهاز المصرفي، لأن في هذه الخصائص تكمن كل العناصر التي تحدد مدى قدرته على التعامل مع الأزمة .

خصائص الجهاز المصرفي الأردني :

            فاجأت أزمة الخليج الجهاز المصرفي الأردني في وقت لم يتخلص فيه كليا من ذيول أزمة بنك البتراء، التي تركت الكثير من الآثار السلبية على الوضع الاقتصادي بشكل عام، وعلى الجهاز المصرفي بشكل خاص، وكذلك على موقف الجمهور من الجهاز المصرفي، وذلك بسبب الخسارة الضخمة التي نتجت عن هذه الأزمة . كما جاءت هذه الأزمة، أي أزمة الخليج، والجهاز المصرفي الأردني على أعتاب فترة ازدهار، كان يطمح من خلال استمرارها الى بناء احتياطات كافية عجز ثباتها في الماضي، حيث شهدت سنة 1989 تحقيق البنوك أرباحا جيدة لم تحققها من سنوات عديدة ، برغم أن جزءا منها يعود لأرباح غير عادية من التعامل بالعملات الأجنبية، وقد كان ذلك بعد عدة سنوات تدنت فيها الأرباح .

            إن الإشارة الى بعض خصائص الجهاز المصرفي قد تساعد على تعرف مواطن قوته ومواطن ضعفه، وكلا الأمرين يساعدان في إمكانية الحكم على مدى قدرته على مواجهة الصدمة الناتجة عن أزمة ا لخليج . ومن أبرز هذه الخصائص :

1-         ارتفاع كلفة الإنتاج، بمعنى أن المصاريف (عدا الفوائد) اللازمة لتحقيق الدخل مرتفعة، اذ تتراوح بين 1 –  81،8 دينار لكل دينار من الأرباح قبل الضريبة .

2-         انخفاض معدل العائد على الموجودات، حيث يصل هذا المعدل الى 0،5%، بينما يجب أن يكون ما بين 1 – 5،1% .

3-         ارتفاع العبء الضريبي وشح الإعفاءات، وبخاصة المرتبطة بالديون المشكوك فيها والديون المعدومة، الأمر الذي انعكس سلبيا على حجم الاحتياطات المكونة لمواجهة مثل هذه الديون، وأجبر البنوك بالتالي الى التساهل في تصنيف الديون .

4-         حدة المنافسة وتعدد الوحدات المصرفية في السوق الأردنية.

5-         ضعف النسب المعبرة عن مناسبة رأس المالي، وبشكل خاص نسب رأس المال الى الموجودات، كما تظهر من الجدول التالي :

       ( مليون دينار )

 

1984

1985

1986

1987

1988

1989

1- رأس المال و الاحتياطيات

153

164

178

186

194

218

2- الموجودات

2136

2392

2635

2898

3251

3780

3- نسبة 1 : 2

2,7%

8,6%

7,6%

4,6%

6%

7,5%

4- الموجودات الثابتة

غ . م

67

68

74

78

84

5- نسبة (1 – 4) / 2

-

4%

2,4%

86,3%

56,3%

54,3%

المصدر: التقرير السنوي للبنك المركز الأردني، والنشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

            (رأسمال البنوك لسنة 1989 معدل ليتناسب وطريقة احتسابه في السنوات

             السابقة).

6-         عدم وضوح سياساته الخاصة بتصنيف الديون واستهلاكها، الأمر الذي قد يلقي بعض الظلال على مدى سلامة بعض موجودات بعض المصارف . هذا، ولا بد من الاستدراك بأن هذا الحكم فيه من التقدير الذاتي، أكثر مما فيه من الحكم الموضوعي على هذه الأصول .

7-         محدودية ربحيته، وعدم كفايتها لتكوين احتياطيات كافية لمواجهة الديون المشكوك فيها، ولمواجهة النمو، ولتوزيع أرباح مجزية لحملة الأسهم :

       ( مليون دينار )

 

1984

1985

1986

1987

1988

1989

1- رأس المال

83

5,100

103

7,102

9,104

غ . م

2-الاحتياطيات القانونية

5,28

7,31

7,38

05,41

8,41

غ . م

3- الربح قبل الضريبة

4,25

1,20

22

4,18

2,24

غ . م

4- نسبة 3 : 1

6,30%

20%

4,21%

9,17%

1,23%

8,46%

5- نسبة  3 : ( 1 + 2)

8,22%

2,15%

5,15%

8,12%

5,16%

54,3%

 * المصدر السابق.

إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن النسب أعلاه هي للعوائد قبل الضريبة، ولما كانت ضريبة المصارف التجارية تصل الى 50%، لذا فان العوائد المذكورة أعلاه ستنخفض بما لا يقل عن 40%، إذا أخذت الإعفاءات الممنوحة بعين الاعتبار .

            وتعكس هذه الأرقام تدني ربحية المصارف خلال السنوات 1985، 1986، 1987، مع تحسن طارئ في سنتي 1988 و 1989، بسبب الأرباح التي جنتها المصارف من فروقات العملة بالدرجة الأولى، وليس نتيجة تغيرات هيكلية أو كفاية في التشغيل، حيث تقدر نسبة الأرباح المحققة من هذا المصدر خلال سنة 1989 حوالي 42% ( حوالي 18 مليون دينار) . لذا، يتوقع لاتجاه الربحية أن ينخفض خلال العام الحالي وبعض السنوات التالية .

8-         عدم وجود محفزات كافية لتكوين احتياطيات مناسبة .

9-         عدم مرونة الضريبة في التعامل مع المصارف، فيما يتعلق بالإعفاءات العائدة للديون غير القابلة للتحصيل والديون المشكوك فيها، ناهيك عن التوسع في تفسير النصوص الضريبية .

10-     ارتفاع بسيط في نسبة التسليف الى الودائع بالدينار الأردني، حيث تبلغ هذه النسبة كما يلي :

( مليون دينار )

 

1985

1986

1987

1988

1989

التسهيلات الائتمانية

1274

1395

1513

1634

1730

الودائع بالأردني

1578

1772

1974

2091

2397

الودائع بالعملات الأجنبية

338

348

382

552

505

التسهيلات / الودائع بالأردني

7,80%

79%

77%

78%

72%

            والآن عودة الى السؤالين المطروحين، حول كيفية تصرف الجهاز المصرفي لمواجهة هذه الأزمة، والمخاطر المتوقع أن يواجهها خلال سيطرتها :

أولا  : كيف سيتصرف الجهاز المصرفي في ظل هذه الأزمة ؟

            أشار الباحث، في إحدى محاضراته عن إدارة ميزانية المصرف التجاري في هذه الجمعية، الى أن المصارف التجارية في الأردن تهتم بإدارة الموجودات أكثر من اهتمامها بإدارة المطلوبات، وبإدارة الميزانية كوحدة واحدة . لكن الآن جاء الوقت لكي تعيد المصارف النظر في هذه السياسة، وأن تركز ليس على جانب الموجودات، أو على جانب المطلوبات فقط، و إنما على جانبي ميزانياتها ككل، أي على جانبي الموجودات والمطلوبات معا .

            ففي جانب الموجودات، على المصارف أن تعيد ترتيبها لصالح الأصول الأقرب الى السيولة، وأن تقوم بمراجعة دورية للسيولة، الى جانب مراجعة دورية منتظمة لنوعية أصولها، ومواعيد استحقاقها، وتلائمها مع استحقاقات مطلوباتها .

            وفي جانب المطلوبات، على المصارف أن تعمل على زيادة معدل مدة مطلوباتها، وبشكل خاص ودائعها، ولو كان في ذلك بعض المخاطر من حيث الفوائد، وذلك احتياطا لاحتمالات عدم انتظام التدفقات النقدية المتوقع تحققها من الموجودات .

            وبشكل عام، على المصارف أن تعمل لصالح خلق الأصول القابلة للتسييل، و إعادة التمويل لدى البنك المركزي، وذلك كإجراء احتياطي، إذا كانت هناك حاجة للمزيد من السيولة .

ثانيا : المخاطر التي قد تواجهها المصارف التجارية :

تدني نوعية الأصول :

            الخطر الأكبر والأهم الذي قد يواجه المصارف الأردنية، مع اسمرار الأزمة واشتدادها، هو خطر التدني في نوعية موجوداتها من القروض والاستثمارات، التي تصل قيمتها الى ما يقارب 50% من موجوداتها، وما يعادل 8،6% أضعاف رأسمالها واحتياطياتها .

            وسيكون هذا التدني، وبالدرجة الأولى، نتيجة للآثار السلبية المباشرة وغير المباشرة للأزمة، والمتمثلة في الضرر الذي لحق بالقطاعات الاقتصادية الأساسية ( الصناعة، والزراعة، والسياحة، والنقل ) . إذ أن تجريد القطاعات من أسواقها التصديرية، المتزامن مع تقليص القوة الشرائية الداخلية، سيجعل بعض هذه المؤسسات يخرج من دائرة الربح الى دائرة الخسارة، الأمر الذي يؤثر سلبيا على قدرتها على خدمة دينها، وسيستمر ذلك، حتى انفراج الأزمة، وعودة الأمور الى سابق عهدها . وحتى تحقق ذلك تقع على المصرفيين والبنك  المركزي، والحكومة، مسؤولية مشتركة في تمكين هذه المؤسسات من الاستمرار، لحين تمكنها ثانية من العودة الى الإنتاج بطاقاتها التي تمكنها من خدمة دينها .

خطر السيولة :

            بالرغم من أهمية هذا  الخطر وآثاره السلبية الكبيرة، إلا أنه خطر يمكن درؤه حتى دون اللجوء الى البنك المركزي الأردني، فلدى الأجهزة المصرفية سيولة تعادل 48% من ودائعها؛ وقياسا على ما حدث في الخليج، وهو الأقرب لمركز الأزمة، فان ما سحب من ودائع الجهاز المصرفي لم يتجاوز في معدله العام 15% . لذا، لا يتوقع  للضغوط على سيولة المصارف أن تصل الى مدى أكثر من هذا المدى . هذا، ويمكن للبنك المركزي أن يقوم من الآن بدور المنبه للمصارف التي يرى أن سيولتها غير كافية لمواجهة سحوبات كبيرة .

خطر هروب رأس المال :

            لقد بلغ هذا الخطر مداه في الأيام الأولى لأزمة الدينار في مطلع عام 1988، أما الآن، فلا يعتقد بأن هناك هروبا يذكر لرأس المال، بل، على العكس من ذلك، هناك عودة لبعض الأموال التي هربت، لكن هذه العودة مقتصرة على تلبية احتياجات خاصة، ولا تشكل انعكاسا لما حصل في الماضي . لذا، فان أهمية هذا الخطر هي في الحد الأدنى، ولن تشكل أي ضغط يذكر على الجهاز المصرفي .

خطر المطلوبات :

يتمثل خطر المطلوبات في أمرين :

            الأمر الأول  :  سحب على نطاق واسع للودائع من المصارف، وهذا أمر مستبعد، إلا في حالة حدوث عمليات عسكرية، عندها يتوقع أن تكون هناك موجة منسحب الأموال . ولما بنيت هذه الدراسة على عدم حدوث هذا الاحتمال، فلا داعي لمثل هذا الخوف .

            الأمر الثاني  :  تحويل المطلوبات من العملة المحلية الى عملات أجنبية، وإبقاؤها في النظام المصرفي، حيث سيكون لهذا الأمر آثار سلبية، تتمثل بتقلص موارد البنوك من العملات المحلية المستعملة في الإقراض،  وتزيد مواردها من العملات الأجنبية غير القابلة للإقراض . لكن إيجابياتها هي زيادة موجودات البلاد من العملات الأجنبية، وكذلك زيادة العملات الأجنبية الموجودة لدى البنك المركزي، وهو أمر مقبول على المدى القصير .

ما الذي واجهته المصارف جراء هذه الأزمة ؟

            من خلال الموازنة بين أرقام 31/7/1990، وهو اليوم السابق للأزمة، وبعض الأرقام القليلة المتاحة حتى نهاية 31/8/1990، تظهر ما يلي :

1-         سحب أموال قيمتها بحدود (170) مليون دينار، أي ما يعادل 8،5% من إجمالي الودائع بالدينار، وسحب ما يقارب (60) مليون دينار من الودائع بالعملات الأجنبية، أي ما يعادل حوالي 9% منها .

2-         ضغطا على سيولة البنوك، وبشكل خاص الوحدات المصرفية الصغيرة . ولا بد من الإشارة بأن الإقبال على السحب كان في معظم الحالات بدافع الاحتياط، وليس نتيجة لعدم الثقة بالجهاز المصرفي، إذ رغب المواطنون في الاحتفاظ ببعض النقد لمواجهة الاحتياجات الطارئة، خاصة وأن احتمالات الحرب خلال الشهر الأول من الأزمة كانت احتمالات قوية  .  هذا، ويتوقع أن تشير أرقام شهر 9 الى عودة بعض هذه الأموال، وانعكاس الاتجاه الذي ساد في بداية الأزمة .

3-         زيادة كبيرة جدا في عرض النقد، نتيجة لزيادة النقد المتداول لدى الجمهور .

4-         تراجع الطلب على الخدمات المصرفية، وبشكل خاص خدمات الإقراض والخدمات الأخرى، بسبب التراجع في النشاط الاقتصادي العام .

الآثار المتوقعة للأزمة على القطاع النقدي :

            إن التزام الأردن بالحظر الاقتصادي المفروض على العراق، يعطيه الحق بالتعويض عن الأضرار التي تكبدها نتيجة التزامه بالحظر بمقدار الخسائر المترتبة عليه، وذلك طبقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، لكن حتى الآن، لم يعوض الأردن بصورة عادلة. وفي ضؤ استمرار وضع كهذا، سيواجه القطاع النقدي الأردني المعوقات التالية :

1-             الضغط على موجوداته من العملات الأجنبية، لدرجة قد يضطر معها الى ترشيد استعمالها، الأمر الذي سيكون له آثار سلبية على مختلف القطاعات الاقتصادية، وعلى النمو الاقتصادي، ومعدلات التضخم، وسعر صرف الدينار .

2-             بالرغم من ثبات الدينار المدهش، وبالرغم من وجود احتياطات مناسبة لدى البنك المركزي، إلا أن استمرار شح الموارد من العملات الأجنبية، والأثر السلبي لذلك في ا لاحتياطات الموجودة لدى الجهاز المصرفي، سيؤدي بالتالي الى ضغط على سعر صرف الدينار، وقد يترتب عليه إقبال بعضهم على تحويل موجوداتهم بالدينار الى أشكال أخرى من الموجودات .

3-             قد يواجه الجهاز المصرفي مشكلات على صعيد السيولة والطلب على الائتمان، اما لزيادة التفضيل النقدي، أو لتدني الدخول .

4-             توقف برنامج التصحيح الاقتصادي بعد النجاح المدهش الذي حققه في السنة الأولى لتطبيقه .

5-             ارتفاع التفضيل النقدي لدى الجمهور .

6-             مزيدا من التدني في نوعية أصول المصارف، وهذا في تصور الباحث، هو القضية الأخطر والأهم، خاصة وأن مثل هذا الخطر سيواجه موجودات المصارف من القروض والسلف ومحافظها من الأسهم، وهذه تشكل حوالي 50% من موجودات المصارف، وساوي 8،6 أضعاف رأسمالها واحتياطياتها .

7-             تأثر قدرة المقترضين على خدمة ديونهم، الأمر الذي سيؤدي الى ظهور الكثير من الالتزامات المستحقة وغير المدفوعة، وظهور العديد من حالات إعادة جدولة القروض المرتبطة بتقديم قروض جديدة، دعما لاستمرار المقرضين في عملهم .

8-             ضغطا شديدا على الدخول، وتدنيا في الربحية، بسبب نقص في مستوى النشاط بمختلف أنواعه، وبسبب ارتفاع الحاجة الى تكوين المزيد من الاحتياطات . هذا، ويتوقع انخفاض في أرباح البنوك لعام 1990 بحدود 25% . وقد بني هذا التقدير على اعتبار أن جزءا هاما من أرباح العام الماضي كانت أرباحا غير عادية، بالإضافة الى التراجع في حجم عمل المصارف في النصف الثاني من العام الحالي .

ما هو المطلوب من المصارف لمواجهة الأزمة ؟

            بسبب اختلاف أوضاع المصارف، فليس بالمستطاع التعميم بأن ما يلي هو المطلوب منها جميعا، بل لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار ظروف كل مصرف على حدة، وعليه أن يحدد ما هو المطلوب منه :

1-         الاحتفاظ بسيولة عالية لمواجهة أي سحوبات غير عادية .

2-         أن تراقب موجوداتها بدقة وتحدد الديون غير العاملة والمشكوك فيها، وتكوين الاحتياطات لمواجهة الخسارة المتوقعة، حتى لو أدى ذلك الى ظهور خسارات في نتائجها المالية .

3-         الاستجابة العقلانية لطلبات الاقتراض، أو الزيادة في الاقتراض من قبل المؤسسات الصناعية بالدرجة الأولى ، ضمانا لاستمرار هذه المؤسسات ومساعدتها على تجاوز الأزمة .

4-         تجنب النظرة قصيرة الأجل في التعامل مع احتياجات العملاء .

5-         العمل على تعزيز الثقة بسلامة مراكزها المالية .

6-         السيطرة على نفقاتها، واختصار ما يمكن اختصاره .

7-         الحد من توزيع الأرباح الى أقصى حد ممكن .

8-         قراءة متأنية لتعليمات البنك المركزي بإعادة الخصم، و إعادة هيكلة أصولها، بما يتناسب وهذه المتطلبات، ليسهل عليها استعمال تسهيلات البنك المركزي في هذا المجال، لدعم سيولتها إذا ما نشأت حاجة لذلك .

الدعم الرسمي للجهاز المصرفي :

            بعد الإشارة الى ما يتوقع أن تواجهه المصارف التجارية،وما هو مطلوب منها القيام به استعدادا لذلك، يجب ألا تغفل الإشارة الى دور الجهات الرسمية في دعم الجهاز المصرفي لتمكينه من القيام بدوره . وهذه الجهات، تحديدا، هي البنك المركزي والحكومة .

أ‌-               المطلوب من البنك المركزي الأردني :

1-             أن يكون جاهزا لمد المصارف بالسيولة، ويفضل أن يكون مستعدا لسيناريوهات مختلفة لما يتوقع أن يكون، علما بأن القناعة التامة توحي بأنه لن تكون هناك حاجة غير عادية للسيولة.

2-             وضع أسس موحدة لتصنيف الديون، بالتنسيق مع جمعية البنوك ودائرة ضريبة الدخل، حتى تتخلص نهائيا من اشكالات تحديد الديون المشكوك فيها الفنية والضريبية .

3-             تفهم للحاجات التسليفية، التي قد تنشأ عن الوضع الجديد .

4-             التعاون مع المصارف لمواجهة أية اشكالات قد تنشأ عن تمويل الصادرات، خاصة إذا ما تأخر المدينون بالدفع، والبحث عن ميكانيكية لاستمرار التمويل 0.

5-             نظرة متفهمة للمواقف التي ستجد المصارف نفسها فيها، مثل ظهور بعض الالتزامات المستحقة و إعادة الجدولة .

6-             تبسيط إجراءات إعادة الخصم، وألا تكون مشكلة بنك البتراء، بأبعادها السلبية، حائلا دون التعاون مع المصارف عند حاجتها للسيولة .

ب‌-           المطلوب من الحكومة :

لا يعتقد أن الحاجة موجبة لتدخل حكومي، لكن اذا ما تطورت الأمور بشكل سلبي، فلا بد من تدخل الحكومة في مثل هذه الظروف لمعاونة الجهاز المصرف على تجاوز أية أزمة قد تطرأ، وذلك من خلال :

1-             التدخل لتقديم كفالات لديون المؤسسات الكبيرة والمؤسسات الصناعية لأن المحافظة على مثل هذه المؤسسات ضرورة وطنية .

2-             التشريعات التي تحمي الجهاز المصرفي، وتكفل سلامته، إذا ما نشأت الحاجة لذلك .

وفي النهاية، يشار الى أن أزمة الخليج قد تركت الكثير  من الآثار السلبية على الاقتصاد الأردني بشكل عام . ويتوقع لهذه الآثار أن تتزايد مع استمرار الأزمة وطول مدتها . كما يتوقع للجهاز المصرفي خلال مدة هذه الأزمة أن يواجه بعض الصعوبات والمخاطر، لكنه في النهاية سيبقى قادرا على مواجهتها، والخروج سليما منها، والدليل على ذلك الأحداث والأزمات العديدة التي مر بها في السابق وتم تجاوزها بنجاح .

    قبل شهرين من بداية أزمة الخليج، سألني صديق يتابع أمور الاقتصاد الأردني بدقة عن رأيي، في ما إذا كنت متفائلا بالوضع الاقتصادي في الأردن أم متشائما . وقد كانت، في تلك الفترة، أخبار معاناتنا مع الدول العربية التي تقدم لنا بعضا من المساعدات الاقتصادية مدار حديث وتكهن العديدين . فقلت له : إنني متشائم، وبعد الأزمة بشهرين، طرح علي السؤال نفسه، فقلت له : إنني متفائل برغم كل المعطيات السلبية من حولنا، بدءا بعودة المغتربين، ووقف صادراتنا، وتوقف المساعدات . فتعجب متسائلا: لماذا انعطفت  برأيك مئة وثمانين درجة . فقلت : إن ذلك نابع من إيماني بمقدرة هذا البلد العجيبة على تجاوز المحن، وضربت أمثلة بما حدث في سنوات 1948،1956، 1967، 1970، 1973، 1982، 1988، وتابعت قائلا : إن سنة 1990، وان كانت أكثر ضخامة في حجم مشكلاتها، إلا أننا سنتجاوزها بكل ما لدينا من الخبرة في التعامل مع الأزمات وسجلنا الطويل في التغلب عليها .

وأضفت قائلا : إن الوحدة الوطنية المتمثلة بالإجماع المطلق لجميع فئات ا لشعب، والاستعداد غير المحدود للتضحية، ستضيف الكثير الى قدراتنا على تجاوز هذه الأزمة . لهذا، كنت متفائلا، وسأبقى متفائلا مستقبلنا ومستقبل أمتنا العربية .

 

عودة للقائمة

 

Site Navigation

 مفلح عقل في سطور

السيرة الذاتية
أهم الشهادات
ألبوم صور

 كتب منشورة

 مقـــالات منشورة

 كلمات مفلح عقل

 أبحاث منشورة

 لمراسلتنا

Quick Search


 

كتاب وجهات نظر مصرفية (ج1)

كتاب وجهات نظر مصرفية (ج2)

كتاب الفوائد - أسعار الفوائد

كتاب مقدمة في الإدارة المالية

البنوك الإسلامية

تنافسية القطاع المصرفي

   
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
       
     
 
Copyright © 2005 MuflehAkel.com,  All rights reserved.