تمويل التنمية في الريف
و البادية الأردنية
"دور المصارف التجارية في تمويل المشروعات
الصغيرة"
ورقة عمل مقدمة في جامعة آل البيت
تحت عنوان آفاق التنمية الاقتصادية و
الاجتماعية
في الريف و البادية الأردنية
12-1998/9/14
دور المصارف التجارية في تمويل المشروعات
الصغيرة
للريف أهمية كبيرة في مجمل الاقتصاد
الوطني باعتباره مكان إقامة و تشغيل لنسبة
كبيرة من السكان، و مصدرا مهما من مصادر
القوى البشرية العاملة، بالإضافة إلى موارده
الاقتصادية من أراض زراعية، و ثروات منجمية
كبيرة، و مصادر مائية. لهذه الأهمية، كانت
تنمية الريف، و تعظيم الاستفادة من موارده
البشرية و الطبيعية ضرورة وطنية و اقتصادية
ذات أولوية مرتفعة على الأجندة الوطنية، و
ذلك لتحسين الدخول الريفية، و تقليل معدلات
الفقر، و تحسين المستوى المعيشي لشريحة
واسعة من السكان.
و قد أثبتت تجارب العيد من الدول
النامية أن الإقراض صغير الحجم يمكن أن يكون
أسلوبا فعالا في توفير التمويل للاستثمارات
صغيرة الحجم، و أن يكون وسيلة ناجحة لتوليد
الدخول و توفير فرص التشغيل الذاتي لأفراد
الأسر الفقيرة، و مساعدتها على الخروج من
حلقة الفقر إلى مرحلة الإنتاج و الاعتماد
على الذات.
في هذه الورقة، سأتحدث عن دور المصارف
التجارية في تمويل المشروعات الصغيرة، مع
ملاحظة أن الحديث لن يقتصر على تمويل
المشاريع الريفية، بل سيتناول المشاريع
الفردية و الصغيرة، و الأصغر. و مثل هذا
التعميم سيشمل بالضرورة المشاريع الريفية،
لأنها في معظمها تقع ضمن هذه الفئة من
القروض التي ستتحدث عنها الورقة، و لغايات
هذه الورقة، يعرف التمويل الصغير بأنه
الخدمات المالية التي تقدمها المصارف، و
المؤسسات المالية، و المؤسسات الرسمية و شبه
الرسمية للاقتصاد الصغير، المرتكز بالدرجة
الأولى على الجهد الفردي من صغار المستثمرين
و المزارعين و الحرفيين.
المقدمة
حين التحدث عن التمويل من وجهة النظر
المصرفية، فإنه حديث عن تقديم مبلغ معين من
المال لفترة زمنية محددة، لقاء فائدة متفق
عليها، لشخص قادر على استعمال هذا المبلغ
بنجاح في عمل يتخصص فيه، و من ثم يقوم
بإعادة هذا المبلغ دفعة واحدة، أو على دفعات
حسب الاتفاق خلال الفترة الزمنية المتفق
عليها. و لما كان المقرض، و من تاريخ تقديم
القرض و حتى استرداده، مهدد بمخاطر عدم نجاح
الممول في إنتاج السلعة التي يريد إنتاجها،
أو عدم القدرة على بيع المنتج، أو عدم تحصيل
ثمن المنتج المبيع، لذا يحرص المقرضون على
حماية أنفسهم من هذه المخاطر من خلال ضمانات
عينية يمكن استعمال حصيلة بيعها كمصدر ثان
لتسديد قروضهم، إذا أخفق المصدر الأول
المتمثل بنجاح الممول. و لما كان كثير من
صغار المقترضين غير قادرين على توفير
الضمانات المقبولة مصرفيا، تصبح إمكانية
حصولهم على القروض ضعيفة، و هنا تبدأ مشكلة
صغار المقترضين المتمثلة في عدم توافر
الضمانة، و بالتالي عدم توافر القروض، و من
ثم عدم إمكانية إقامة المشروع الذي يتطلعون
لإقامته، و هنا يبدأ أيضا دور الإقراض صغير
الحجم في التعامل مع مثل هذه الحالات، و
إيجاد حلول تتناسب و الوضع الذي يعيشه مثل
هؤلاء المقترضين.
إننا جميعا متفقون على وجود حاجة ماسة
إلى خلق المزيد من فرص العمل، سواء من خلال
الاستخدام الذاتي، أو الاستخدام من قبل
الآخرين، كما أننا متفقون على أن هذه
العملية ضرورية لمواجهة معدلات النمو
السكاني المرتفعة التي يعيشها الأردن، خاصة
و أن جهات الاستخدام التقليدية، المتمثلة في
الحكومة و القطاع الخاص الصغيرة و الكبيرة،
غير قادرة على استيعاب جميع الداخلين إلى
سوق العمل. لذا، فإن الحاجة ماسة إلى إيجاد
قنوات استخدام جديدة من خلال دعم الأفراد
القادرين على إقامة مشاريع ذاتية تستطيع أن
تستوعب بعض أفراد العائلة و آخرين غيرهم.
مثل هذا الجهد، يحتاج إلى مبادرة جريئة من
المؤسسات المالية لتقديم تمويل من نوع خاص
لتحقيق تلك الغاية.
و قد تمت مخاطبة هذه المشكلة جزئيا من
قبل مؤسسات الإقراض الحكومية، حيث وجهت
الحكومة جزءا من مواردها لهذه الغاية خاصة
في المجال الزراعي. لكن هذا التدخل الحكومي
لم يحقق غايته. لذا، هناك جهد متواصل لنقل
هذا الدور إلى مؤسسات وساطة مالية متخصصة
تعمل في ظروف اقتصادية مختلفة من حيث سعر
الفائدة، و وجهات الإقراض و مصادره.
فكرة الإقراض صغير الحجم:
انطلقت فكرة الإقراض صغير الحجم للحد من
مشكلات الفقر و البطالة من خلال تقديم قروض
صغيرة الحجم للفئات المحدودة الدخل في
المجتمع، و ذلك لمساعدتها من أجل بدء عمل
خاص بها يمكنها من المشاركة في النشاط
الاقتصادي، و تحسين مستواها الحياتي، و
إبعاد شبح الفقر عنها، إلى جانب تحقيق النمو
الاقتصادي ضمن مناخ اقتصادي موات.
يهدف هذا النوع من الإقراض إلى نقل مشكلة
الفقر من بعدها الإنساني و الاجتماعي إلى
بعدها الاقتصادي، لأن الفقر بالمعنى
الاقتصادي يعني عدم القدرة على الإنتاج لعدم
توافر عناصره المالية، أو المهنية، أو
الجسدية.
و عندما عجزت المساعدات المقدمة للفقراء
عن معالجة أزمة الفقر، اتجه التفكير العملي
إلى تمكين هؤلاء الفقراء من امتلاك أعمال
صغيرة، و المباشرة في عمليات إنتاجية قد تدر
عليهم في حالة نجاحهم دخولا أعلى، و تسهم في
تخفيف العبء على الدولة، بينما تسهم فعلا في
التنمية الاقتصادية.
من الناحية التاريخية، بدأت منهجية
الإقراض الصغير بالتطور في مطلع الثمانينات
من خلال مساهمة الجهات غير الحكومية في
مكافحة الفقر و البطالة، و تشجيع أصحاب
القدرات و الأفكار المتميزة على بدء عمل خاص
بهم. و قد انتشرت هذه الفكرة في العديد من
دول العالم، و حققت نجاحا لا بأس به في بعض
الدول. و هناك محاولات جادة نقوم بها في
الأردن لنشر هذا النوع من التمويل من خلال
برنامج دعم بنية الأعمال و تطويرها في
الأردن (أمير)، و التي قامت بدراسات واسعة و
مسح للسوق الأردنية للتعرف على احتياجات هذا
القطاع.
طبيعة القروض الصغيرة:
تشترك القروض صغيرة الحجم بمجموعة من
الصفات، من أهمها:
-
قصر المدة، و غالبا ما تكون لتمويل رأس
المال العامل.
-
استنادها على التزام المقترضين الأخلاقي
أكثر من اعتمادها على الضمانات.
-
تكرار عملية الإقراض، و تزايد قيمتها مع نمو
حجم عمل المقترض و نجاحه.
-
بساطة إجراءات المنح، و الصرف، و التحصيل.
-
الاتصال المستمر مع المقترض للتعرف إلى أية
تطورات تستجد على أوضاعه.
-
الاقتراب إلى أقصى حد ممكن من المقترض عند
المنح و التحصيل.
واقع الإقراض الصغير في السوق الأردنية:
في تحليل هذا الواقع، ستعتمد هذه الورقة
كثيرا على نتائج الدراسة التي قامت بها
مؤسسة
AMIR
في شهر نيسان 1998 على عينة عشوائية من
المؤسسات الصغيرة في المجالات الصناعية، و
الخدمات، و التجارة في أكثر المناطق كثافة
بالسكان، و هي عمان، إربد، و المفرق، التي
تضم معا حوالي 80% من سكان المملكة. و قد
تناولت هذه الدراسة المجالات الآتية:
* توزيع القطاع حسب الأنشطة.
* توزيع القطاع حسب عدد المستخدمين.
* مصادر التمويل المتاحة لهذا القطاع.
* مصادر التمويل حسب الحجم.
* تصنيف المؤسسات حسب الطلب على القروض.
1-
توزيع القطاع حسب الأنشطة.
لقد وجدت الدراسة الميدانية أن النشاط
الصناعي هو النشاط الأكثر ممارسة من قبل
أصحاب الأعمال صغيرة الحجم، و بنسبة
42%
من مجمل النشاطات الصناعية، و التجارية، و
الخدمية، و ذلك كما يظهر مما يأتي:
النشاط:
صناعي .....................
42%
خدمات ......................
35%
تجارة ........................
23%
2-
توزيع القطاع حسب عدد المستخدمين.
أما في ما يتعلق بعدد المستخدمين، فقد
وجد أن غالبية القطاع يستخدم أربعة عمال أو
أقل، بينما لا يزيد عدد من يستخدم أكثر من
أربعة عمال على
15%
من القطاع، و ذلا كما تشير النتائج الآتية:
عدد المستخدمين:
المالك وحده .......................
22%
1-4 مستخدمين ...................
63%
أكثر من خمسة مستخدمين .......
15%
3-
مصادر التمويل المتاحة لهذا القطاع.
تتوزع مصادر التمويل للمشروعات الصغيرة
الحجم على النحو الآتي:
|
توفير خاص/ ذاتي |
74% |
|
قروض من العائلة، أو الأصدقاء |
14% |
|
قروض من المصارف |
10% |
|
مؤسسات غير حكومية |
1% |
|
قروض الموردين |
1% |
و تعكس هذه النتائج أهمية التمويل الذاتي
في هذا النوع من المشاريع، و ضآلة دور
المصارف، الأمر الذي يطرح بقوة الحاجة
الماسة إلى توافر مصادر تمويل تساعد على
زيادة عدد هذه المشاريع.
4-
مصادر التمويل حسب الحجم.
|
|
المشروع الفردي
(1) |
المشروع الصغير
(1-4) |
المشروع الصغير
(5+) |
|
توفير خاص/ ذاتي |
78% |
75% |
68% |
|
العائلة، و الأصدقاء |
17% |
13% |
11% |
|
المصارف |
5% |
10% |
15% |
|
مؤسسات غير حكومية |
0% |
1% |
0% |
|
قروض الموردين |
0% |
1% |
6% |
تعكس هذه الأرقام بقوة أهمية التوفير
الذاتي في بداية المشاريع الصغيرة، كما تعكس
تواضع دور المصارف في المراحل الأولى من
المشروع، و تزايد هذا الدور مع تقدم حجم
العمل، الأمر الذي يؤيد وجهة النظر القائلة
بأن المصارف تعزف عن التمويل الصغير الحجم،
و تفضل المتوسط و كبير الحجم لأسباب تتعلق
بالمخاطر، و الكلفة، و الضمانة.
هذا، و من اللافت للنظر في الدراسات التي
أجريت حول تمويل المشاريع الصغيرة هو اعتماد
43%
من هؤلاء على قروض يتم الحصول عليها من
الزملاء، والأصدقاء، والأقارب. و قد وصل
معدل هذه القروض إلى حوالي (1500) دينار، و
هي بلا فائدة،
و دون دفعات محددة، و لمدة تتراوح بين أربعة
و سبعة أشهر.
و اللافت للنظر أيضا أن
67%
من العينة لم يسبق لها أن تقدمت بطلب قروض
إلى المصارف لأسباب تتراوح بين عدم كفاية
الضمانات، و ارتفاع سعر الفائدة، و صعوبة
الإجراءات، و عدم الخبرة في الاقتراض
المصرفي، و لأسباب دينية، و الخوف من عدم
القدرة على التسديد، كما كان السبب الأكثر
أهمية هو وجود مصادر أخرى كالتي أشرنا
إليها.
5-
تصنيف المؤسسات حسب الطلب على القروض.
و في هذا المجال، فقد ظهرت النتائج الآتية:
|
|
المشاريع الفردية |
المشاريع الأصغر
Micro |
المشاريع الصغيرة
Small |
|
لم يسبق التقدم بطلب قرض |
79% |
66% |
54% |
|
حصلت على قروض خلال
السنتين الماضيتين |
7%
|
14% |
15% |
تؤيد هذه الإحصائية ما سبق وأن أشارت
إليه الإحصائيتان الأخيرتان من ضآلة أهمية
التمويل المصرفي للمشاريع الصغيرة. كما تؤيد
بأنه كلما صغر حجم المشروع، اعتمد أكثر على
موارده الذاتية، و قل دور المصارف في
تمويله، لأسباب تتعلق بثقافة أصحاب المشاريع
الصغيرة، و مفهومهم الخاطئ القائم على أن
المصارف للأغنياء، إلى جانب سبب آخر يتعلق
بالمصارف المقرضة نفسها.
أما في ما يتعلق بحجم التمويل اللازم
للمشاريع صغيرة الحجم، فقد قدرت الدراسة
التي أعدت من قبل مؤسسة أمير عدد المقترضين
المحتملين في هذا القطاع المحروم نسبيا من
التمويل بما مجموعه (74) ألف مقترض، إجمالي
قيمة التمويل المطلوب لهم هو (48) مليون
دينار. و يمكن القول بأن مقدار التمويل
المطلوب رقم متواضع يمكن مواجهته، و تلبيته
بسهولة من قبل الجهاز المصرفي و مؤسسات
الإقراض المتخصصة، لكن ما نحتاج إليه هو
المنهجية المناسبة للوصول إلى هذه الفئة، و
وصول هذه الفئة إلى مصادر الإقراض.
دور المصارف الأردنية في الإقراض صغير
الحجم:
بالرغم من أن المصارف هي في الموقع
الأفضل لتقديم مثل هذه القروض لأسباب منها
كفاية الإدارة، و الانتشار، و الرقابة، و
وفرة الموارد، إلا أن هناك حواجز نفسية، و
أسباب تاريخية، أهمها في الأردن قيام
الحكومة خلال فترة السبعينات و الثمانينات
بتشجيع قيام مؤسسات متخصصة للتنمية و
الإقراض المتخصص.
أما تمويل المؤسسات الخاصة الكبيرة و
متوسطة الحجم، فهو أمر اعتادت عليه المؤسسات
المالية و تمرست فيه، إلا أن تمويل المشاريع
الصغيرة، و الصغيرة جدا، و مشاريع الأفراد
لم يكن ضمن أولويات المصارف التجارية ليس في
الأردن فحسب، بل في مختلف أنحاء العالم.
و في ظل مثل هذا الغياب التاريخي عن النشاط،
أسس العديد من المؤسسات غير الحكومية للقيام
بتوفير ما يمكن توفيره من التمويل اللازم
للمشاريع الصغيرة، و ذلك من خلال جهد محدود
من موارده و تطلعاته. و قد كان الأردن من
ضمن البلدان التي سارت في هذا الاتجاه، حيث
تم تأسيس صندوق التنمية و التشغيل، صندوق
الملكة علياء، و صندوق صغار الحرفيين.
و منذ نشأة هذه المؤسسات، ركزت نشاطها
على المناطق الريفية، باعتبارها الأقل حظا
في التنمية، و الأقل حظا في الحصول على
التمويل لاستغلال فرص العمل المتاحة هناك. و
قد تطور نشاط هذه المؤسسات في بعض الدول، و
أصبح لها وجود فعال في خلق فرص العمل
للكثيرين. و قد كان وراء هذا النجاح جهد
مشترك من المصارف، و مؤسسات القطاع العام، و
بعض المؤسسات الدولية، التي أسهمت معا في
إيجاد ميكانيكية مناسبة للإقراض صغير الحجم.
في ضوء النجاح الذي حققته هذه المؤسسات،
بدأت بعض المصارف تطرق هذه السوق مدفوعة
باعتبارات المنافسة و الاعتبارات
الاجتماعية، بالإضافة إلى التسهيلات المقدمة
للمؤسسات الممولة، مثل تقديم بعض الكفالات
الحكومية لمثل هذه القروض، و إتاحة فرصة
الاقتراض من البنك المركزي لتمويلها، إضافة
إلى توافر المساعدة الفنية للقيام بمثل هذا
النشاط.
و بالرغم من عدم وجود نشاط الإقراض صغير
الحجم لدى المصارف الأردنية التجارية كنشاط
مستقل، لكن هناك ممارسة واضحة لهذا النشاط
تقوم به المصارف ضمن عملها العادي. لذا، لا
يجوز التعميم و القول بأن التسليف المصرفي
في الأردن يتجاهل صغار المقترضين، و يركز
على كبار العملاء، كما قد يعتقد بعضهم.
فللأفراد و الحرفيين و المؤسسات الصغيرة
نصيب مهم من الإقراض، بدليل أن عدد
المقترضين من المصارف التجارية وصل في
30/3/1997 إلى (349) ألف مقترض، معدل
الائتمان المقدم للواحد منهم (11) ألف
دينار. و إذا ما طبقنا قاعدة 20/80، ينخفض
معدل الإقراض إلى 2752 دينارا، و هو رقم
مقارب جدا لرقم الإقراض الصغير الذي تحتاج
إليه المشاريع التي نتحدث عنها.
و بهذا الإيضاح، لا يريد الباحث الوصول
إلى نتيجة مفادها أن المصارف قد قامت بكل ما
يجب أن تقوم به تجاه هذا القطاع المهم، بل
ما زال أمامها الكثير مما يمكن أن تفعله.
مما تقدم، يظهر أن المصارف الأردنية تقدم
كثيرا من الإقراض صغير الحجم، إلا أن هذا
النشاط ما زال من الناحية المنهجية نشاطا
هامشيا لا يقوم على أسس منظمة تجعل من
غايتها الوصول إلى صغار المقترضين، و تعميم
منتجات تتناسب و احتياجاتهم و أوضاعهم
العملية و المالية.
محددات الإقراض صغير الحجم في السوق
الأردنية:
و هنا يبرز السؤال الآتي: لماذا غابت
المصارف التجارية عن هذا المجال كنشاط منظم؟
و الجواب على ذلك هو: إن الغياب عن هذا
النوع من النشاط يعود إلى المناخ المقيد
الذي كان يعيشه القطاع المالي، مثل تحديد
أسعار الفائدة، و معدلات الاحتياطي المرتفع،
و الرقابة المباشرة على الائتمان، و هي
عوامل حالت دون المصارف و هذا القطاع مرتفع
المخاطر و الكلفة، و الذي اعتاد على التمويل
الحكومي المدعوم، و الذي كثيرا ما كان على
شكل غير مسترد. إلا أن تبني سياسات الإصلاح
الاقتصادي، و التحرر، و تحرير الأسعار، و
التخلي عن سياسة التحيز لبعض القطاعات، التي
كانت تمارسها الحكومات من خلال تسعير
المنتجات الريفية، و تفضيل التنمية الحضرية
على التنمية الريفية، مهد الطريق لهذا النوع
من الإقراض.
هذا هو السبب العام لغياب المصارف عن
مجال الإقراض صغير الحجم. أما السبب الأخص
لهذا الغياب، و ترك هذا النشاط لمؤسسات أخذت
طابع النشاط الاجتماعي، فيمكن أن نعزوه
لمجموعة من الأسباب، أهمها:
-
ارتفاع كلفة تنفيذ مثل هذه القروض و إدارتها
( لا تختلف كلفة تنفيذ قرض بألف دينار عن
واحد بمائة ألف دينار كثيرا).
-
انخفاض دخل القروض الصغيرة الحجم بالمفهوم
المطلق، موازنة بتكلفتها غير المباشرة.
-
ارتفاع مخاطر هذا النوع من القروض،
بالموازنة مع الإقراض العادي.
-
عدم توافر الضمانات الكافية، بسبب طبيعة
المشاريع التي يتم تمويلها من خلال هذه
القروض، و وضع القائمين عليها.
-
محدودية الثقافة المصرفية لصغار المقترضين
جعلهم يترددون في طلب القروض.
-
صعوبة التنفيذ على هذه المشاريع لغايات
استرداد القروض، لانخفاض قيمة موجوداتها،
إلى جانب العديد من الاعتبارات الاجتماعية.
-
الحواجز النفسية و الاجتماعية، حيث ما زال
هناك اعتقاد لدى بعضهم بأن المصارف للأغنياء
فقط.
-
عدم وجود منهجيات لدى المصارف للوصول إلى
صغار المقترضين.
إن تلك المحددات التي سادت لفترات طويلة
في الماضي، لم يقبلها المجتمع كمسوغ لابتعاد
المصارف عن هذا النوع من التمويل، خاصة و
أنها تتمتع بمزايا نسبية بالموازنة مع
المؤسسات الأخرى العاملة في هذا المجال،
لأسباب منها:
-
كفاية الإدارة، و ملاءتها المالية، و كفاية
رؤوس الأموال و شفافيتها.
-
وجود البنية التحتية المناسبة، و الانتشار
الواسع لفروعها، التي تؤمن وصولا أفضل
لأماكن وجود الحاجة للقروض.
-
كفاية أنظمتها الرقابية، و المحاسبية، و
أجهزة المتابعة.
-
ملكيتها من قبل القطاع الخاص يجعلها تركز
على كفاية إدارة المشاريع الممولة،
و ربحيتها، و قدرتها على الاستمرار.
-
استقرار مصادرها المالية.
-
تنويع الخدمات المالية التي تقدمها يجعلها
أكثر قدرة على تلبية الاحتياجات المصرفية
للقطاع كافة.
الخلاصة و التوصية:
إن التوجه الجاد للدخول في هذا المجال
من التمويل يتطلب من المصارف:
-
الالتزام
(Commitment)
بتقديم الخدمة، و هذا أمر محدود لدى الكثير
منها.
-
أن يكون هذا النوع من القروض نشاطا مستقلا
ضمن الهيكل التنظيمي لنشاط المصرف ليأخذ حقه
من العناية.
-
تطوير منهجية مالية تتميز بالإبداع، للوصول
إلى طريقة ذات كفاية عالية في التكلفة
و المردود، ضمن نظام يستطيع تناول عدد
كبير من القروض قصيرة الأجل معا.
-
توافر عناصر بشرية مناسبة، لأن هذا الإقراض
يختلف في منهجيته و أسلوبه عن الإقراض
التقليدي.
-
سيطرة مناسبة على التكاليف، لأن كلفة هذا
الإقراض مرتفعة لصغر حجمه.
-
تشجيع المدخرات الريفية لتكون مصدرا لهذا
التمويل.
نأمل أن يؤدي الازدحام المصرفي في السوق
الأردنية، و المنافسة الشديدة، إلى جانب
الضغوط الاجتماعية، إلى ممارسة المصارف دورا
اجتماعيا مسؤولا يدفعها نحو قطاع الإقراض
صغير الحجم.
إن توجه المصارف نحو هذا القطاع بعقل
مفتوح، و دون أحكام مسبقة عنه، سيزيد من
مقدار القروض الممنوحة و قيمتها، و سيقلل من
نسبة رفضها، و ستتعامل المصارف بطريقة أكثر
إيجابية مع الأسباب التي اعتادت أن ترفض هذا
الإقراض استنادا إليها، مثل:
-
عدم كفاية الضمانات.
-
عدم وجود بيانات مالية منظمة.
-
عدم الإلمام بالعمل المصرفي.
-
عدم مناسبة المشروع المطلوب تمويله.
و قبل الانتهاء من الحديث، لا بد من
العودة مرة أخرى إلى دور المصارف الأردنية
في تمويل المشاريع صغيرة الحجم، و القول بأن
مساهمة المصارف الأردنية في هذا المجال
مساهمة محدودة، كما أنها لم تطور بعد
المنهجية الصحيحة للتعامل مع احتياجات هذا
القطاع، إلى جانب عدم تصورات محددة لدى
المصارف في ما يتعلق بهذا النوع من الإقراض،
و ليس لديها خطط واضحة للتعرف إلى المدينين
الذين ينطبق عليهم تعريف المشاريع الصغيرة
الحجم للتعرف إليهم، و مخاطبتهم بطريقة
تتناسب و أوضاعهم التي تم وضعها.
هذا، و يبقى القول هنا: إنه من المطلوب
من المصارف الأردنية إن تخصص ما لا يقل عن
1%
من إقراضها لهذا القطاع، و هذه النسبة تعادل
ما مجموعه (40) مليون دينار، و هي تعادل
تقريبا مجموع الاحتياجات التمويلية لهذا
القطاع، التي وصلت إليها دراسة مؤسسة أمير.