الصفحة الرئيسية

Business card templatesBusiness card templates Web Templates Logo templates Business card templates

  الصفحة الرئيسية / كتب منشورة / وجهات نظر مصرفية (ج1) / اتفاقية الشراكة الأوروبية المتوسطية

 

 

اتفاق الشراكة الأوروبية المتوسطية

و أثرها في القطاع المصرفي في الأردن

 

مقدمة إلى

ندوة حول اتفاقية الشراكة الأوروبية الأردنية

"شراكة في التنمية"

المنعقدة في عمان

خلال الفترة 24-26/11/1997

 

المقدمة

    بعد جولات عديدة من المفاوضات الرسمية، بدأت في منتصف عام 1995، بين الحكومة الأردنية و الاتحاد الأوروبي، يتم اليوم التوقيع على اتفاق شراكة، ينضم بموجبه الأردن إلى قائمة الدول المتوسطية المشاركة للاتحاد الأوروبي. و يهدف الاتفاق في محصلته النهائية إلى إزالة العوائق الجمركية و الضريبية كافة أمام حركة التبادل التجاري بين الطرفين، حتى الوصول إلى منطقة تجارة حرة بحلول عام 2010.

    و تأتي هذه الورقة كمحاولة لدراسة و تحليل الآثار التي ستتركها هذه الاتفاقية على الجهاز المصرفي الأردني بشكل خاص، باعتبار أن القطاع المالي مشمول بقطاع الخدمات الذي سيشمله التحرير، و ذلك على غرار المبادئ التي وردت في اتفاقية الجات. و بداية سيتناول الباحث بإيجاز التوجهات العالمية و الإقليمية نحو العولمة و الانفتاح ضمن تكتلات اقتصادية رئيسة.

و تحقيقا لهدف الورقة هذه، سيتم استعراض واقع الجهاز المصرفي الأردني، و أماكن القوة و الضعف فيه، قبل تناول التحديات التي سيواجهها هذا القطاع كنتيجة لتوجهه نحو الانفتاح و العولمة. و في النهاية، ستورد الورقة بعض المقترحات و الاجتهادات بخصوص الإصلاحات التي يجب علينا القيام بها استعدادا لهذا التوجه.

 

التوجه نحو العولمة:

     منذ بداية العقد الحالي، و العالم يشهد تغيرات شاملة تقوم على عولمة الإنتاج، و حرية التبادل التجاري، و تركيز على التعاون الإقليمي، و التكامل الاقتصادي العالمي. إن ظاهرة العولمة هذه، التي تتزامن و نهاية القرن العشرين، جاءت ثمرة لثورة الاتصالات، و سرعة انتقال المعلومات، و اتساع حركة التدفقات المالية عبر الحدود، بعد تبني سياسات الانفتاح و التحرر من القيود، و إزالة الحواجز الجغرافية كافة على نطاق عالمي، كانت نتيجتها أن أصبحت الأسواق أوسع، و أكثر تعقيدا، و أكثر ترابطا، كما حققت أسواق رأس المال ظاهرة غير مسبوقة في حشد الأموال، كما أصبحت بلاد العالم مرتبطة بعضها ببعض بشبكة كثيفة من العلاقات التجارية، و المالية، و التكنولوجية. و قد أسفر هذا الانفتاح الواسع أيضا عن زيادة حدة التنافس، و عالمية الأسواق، و سرعة انتقال الخدمات الاقتصادية من سوق إلى أخرى، و من منطقة لأخرى.

    بعد هذه التطورات، لم تعد العولمة نظرية، أو إيديولوجية، أو حتى خيارا يمكن تجاهله، بل أصبحت ظاهرة ملموسة مثل الثورة الصناعية يصعب تجاهلها، أو إنكار الفوائد، و المكاسب، و المزايا التي حققتها للدول المعنية، بدليل الارتفاع الملحوظ الذي تحقق على المستوى الحياتي لسكان الدول التي تبنت هذا التوجه، و الذي نتج بالدرجة الأولى عن نمو التجارة الدولية، و تسارع تدفق الاستثمارات الخاصة عبر الحدود، و توسع العمليات المالية الدولية.

    كانت محصلة هذه التوجهات أن أصبحت الكيانات القطرية غير قادرة على مواجهة حدة المنافسة، الأمر الذي أدى إلى ظهور تجمعات إقليمية كبرى، مثل التحاد الأوروبي، و منطقة التبادل الحر لدول شمالي أمريكا(NAFTA )، و منطقة المحيط الهادي الآسيوية تحولت إلى كيانات فاعلة في العلاقات الاقتصادية الدولية، و أصبحت تكون مناطق تبادل حر، أو اتحادات جمركية، أو أكثر من ذلك أو أقل. و قد أيدت الإحصاءات الرسمية أن التبادل التجاري الإقليمي كان أوسع في نموه من التبادل على المستوى الدولي.

    و على رغم إيجابيات العولمة، إلا أن قبول الفكرة على أطلاقها يشكل خطرا اقتصاديا على الدول الفقيرة، و على تلك التي تقع في مكانة وسطى في منهاج التطور و النمو الاقتصادي. فالعولمة في تلك الدول قد تؤدي إلى الإضرار ببنية الاقتصاد الوطني، كما يمكن أن تؤدي إلى تقليص دور الدولة الاجتماعي، و تخفيض معدلات الإنفاق الحكومي بسبب حدة المنافسة و ضرورة ضغط التكاليف، الأمر الذي أدى إلى تعرض قطاعات متعددة من السكان للفقر والحاجة. لذا، يجب أن تكون هناك قواعد تحكم هذا التوجه حتى لا تؤدي العملة إلى اضطرابات تهدد الاستقرار السياسي و الاجتماعي في الدول النامية، أو تؤدي إلى تخفيض عملاتها، الأمر الذي لو تم، مقرونا بحرية التملك الأجنبي، فسيؤدي إلى أمكانية شراء الأصول الإنتاجية للدول النامية بمبالغ قليلة.

    إن الدول النامية مدركة تمام الإدراك إن الاعتماد على آليات السوق وحدها في نظام التبادل الدولي ينطوي على مخاطر بالنسبة لها، وهي تطالب في الوقت نفسه الدول المتقدمة بأن توازن بين مصالح الطرفين في نظام العولمة الجديد، وان تقبل بصيغة تحمي الدول النامية من الخطر،وفي الوقت نفسه لا تتناقض مع حرية التجارة الدولية.

    وفي الوقت الذي تتجه فيه معظم دول العالم بصورة حثيثة نحو الانضمام إلى التجمعات الاقتصادية الإقليمية لزيادة قدرتها التنافسية، وتحقيق مستويات مرتفعة من التكامل الاقتصادي للاستفادة من توجهات العولمة، وجد الأردن أن المصلحة العامة تقتضي مسايرة هذه التغيرات ومواكبة التوجهات نحو الانفتاح والعولمة، بدلا من الانعزال عنها لكونها توجهات عالمية شاملة، سيضعنا الابتعاد عنها خارج الدائرة التي تشتمل على ما لا يقل عن 85% من الاقتصاد العالمي.

 

اتفاقية الشراكة الأوروبية الأردنية:

     تقع اتفاقية الشراكة الأوروبية الأردنية، التي نجتمع اليوم احتفالا بتوقيعها، ضمن إطار التعاون الإقليمي الذي يتخذ اتجاها متزايدا في العالم، و تقوم على ثلاثة محاور: السياسي و الأمني،  الاقتصادي و المالي، و المحور الاجتماعي و الإنساني.

فأما المحور الاقتصادي و المالي، فيهدف إلى أنشاء منطقة تجارة حرة بين الأردن و الاتحاد الأوروبي، خلال فترة انتقالية مدتها 12 سنة، تبدأ في 1/1/1999 و تنتهي في عام 2010، و ذلك وفقا لأحكام اتفاقية الشراكة، و اتفاقية الجات، و الاتفاقية العامة لتجارة الخدمات. و يشمل هذا المحور تجارة المنتجات الصناعية و الزراعية، و حق تأسيس الشركات، و حرية حركة رأس المال للعمليات التجارية و الرأس مالية، و المنافسة، و حماية حق الملكية الفكرية و التجارية و الصناعية، و ذلك بهدف الارتقاء بالتعاون الأوروبي الأردني في المجالات الاقتصادية، و المالية، و التجارية من خلال إعفاء صادرات المملكة من الجمارك فورا، و تخفيض جمارك الواردات من الاتحاد الأوروبي تدريجيا خلال الفترة الانتقالية حسب برنامج زمني يأخذ بعين الاعتبار أهميتها بالنسبة الاقتصاد الأردني.

أما محورا الاتفاقية الآخران، فهما:

1-      المحور السياسي و الأمني:

     يتضمن المبادئ و الأسس العامة التي تحكم و تنظم التعاون بين الطرفين في المجال الأمني و السياسي بهدف تحقيق الأمن و السلام، و ضمان حقوق الإنسان، و التنمية الإقليمية.

2-     و المحور الاجتماعي و الإنساني:

       و يتضمن المبادئ و الأسس العامة التي تحكم التعاون بين الطرفين في المجال الاجتماعي و الإنساني من خلال إيجاد فرص العمل، و توفير التدريب، و التأهيل في المناطق الأقل حظا لإزالة عوامل الهجرة و تحسين النظام الصحي، و نظام الضمان الاجتماعي.

 

      إن هذه الاتفاقية محصلة لمصالح متبادلة بين الاتحاد الأوروبي و دول شرقي حوض البحر الأبيض المتوسط، و ذلك بحكم كون الجانبين شريكين تجاريين رئيسين. فالاتحاد الأوروبي يسعى إلى تأمين أسواق لمنتجاته، كما يسعى في الوقت نفسه إلى تحقيق الاستقرار الأمني، و الاقتصادي، و السياسي، و الاجتماعي في الدول المجاورة له، و ذلك لوقف الهجرة إليه، و الحد من نمو الحركات الراديكالية في هذه الدول.

     أما بالنسبة لدول حوض البحر الأبيض المتوسط، فتمثل فكرة الشراكة الأوروبية المتوسطية وسيلة فعالة للنهوض باقتصادياتها، وخلق منطقة تبادل تجاري حر فيما بينها و بين الاتحاد الأوروبي، تؤدي إلى حرية تبادل السلع و الخدمات بالإضافة إلى المعرفة الفنية، و ذلك من أجل تقوية العلاقات الاقتصادية و التجارية بين الطرفين.

     إن إقدام الأردن على توقيع هذه الاتفاقية يقع ضمن سياسته القائمة على التحرر و الانفتاح على الأسواق المالية، و حرية التبادل التجاري، حيث ستلي هذه الخطوة خطوة مهمة أخرى، تتمثل في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ((WTO.

    و بقدر ما توفره هذه الاتفاقية من مزايا و فرص للأردن، مثل سهولة الوصول إلى أسواق الدول الأعضاء في الاتفاقية، و توسيع القاعدة التسويقية للصناعة المحلية، إلى جانب الاستفادة من إمكانيات المشاركة و نقل المعرفة الفنية و التكنولوجيا، بقدر ما تعرضه للعديد من المخاطر التي تهدد صناعاته المحلية، و تفرض عليها العديد من التحديات و المسؤوليات، أهمها:

1)      خسارة جزء كبير من الإيرادات الجمركية، التي تشكل مردودا مهما لخزينة الدولة، الأمر الذي سيؤثر بالتالي في دورها الاجتماعي.

2)   تهديد القدرة التنافسية للمنتجات المحلية و إضعافها بسبب انخفاض أسعار السلع المستوردة، الناجم عن إزالة الرسوم الجمركية، مقابل المقدرة التنافسية العالية للسلع المستوردة.

3)   إمكانية الاحتجاج بقيود غير جمركية مثل قواعد المنشأ، و المواصفات، و المقاييس، و البيئة لعرقلة دخول المنتجات الأردنية إلى الأسواق الأوروبية.

4)      بقاء القيود على حرية تنقل الأفراد و الهجرة.

5)      بقاء  بعض القيود على بعض أصناف المنتجات الزراعية.

6)      التزام الأردن بعدم تجديد الامتياز للشركات الحكومية بعد انتهاء مدتها القانونية.

7)      تحرير العطاءات الحكومية.

8)      زيادة كلفة الإنتاج بالنسبة للصناعات التي تحتاج إلى شراء المعرفة الفنية من مصادر تتصف بالاحتكار، خاصة في مجال الأدوية.

 

    و قبل البدء بتناول إثر هذه الاتفاقية في القطاع المالي الأردني، إليك نظرة سريعة على الاقتصاد الأردني، قبل إلقاء نظرة أسرع على القطاع المالي في الأردن.

 

نظرة على الاقتصاد الأردني:

    يبلغ تعداد سكان الأردن 4.2 مليون نسمة، و تهيمن الأنشطة التجارية و الخدماتية على الاقتصاد الأردني، حيث تسهم تلك الأنشطة بأكثر من ثلثي الناتج المحلي الإجمالي، في حين تسهم قطاعات الصناعة، و الزراعة، و أنشطة البناء، و التعدين بالثلث الباقي.

    و قد حقق الأردن في السنوات الأخيرة تقدما رئيسا على طريق النمو الاقتصادي، حيث يتمتع الآن بأعلى معدلات النمو الاقتصادي في المنطقة العربية، و توقعت اللجنة الاقتصادية و الاجتماعية لدول غربي آسيا التابعة للأمم المتحدة "أسكوا" بأن يبلغ النمو الاقتصادي في الأردن في عام 1997 ما معدله 6.2%، و هذا المعدل أعلى مما تم تسجيله في عام 1996. و في التقرير نفسه، تشير الأسكوا إلى أن الأردن لديه أقل معدل من التضخم بين الدول غير الخليجية.

    و يعود نجاح الأردن المهم في تحقيق نمو مرتفع حقيقي، دون أن يواجه ضغوطا تضخمية، و إحداث تحسين مهم على ميزان مدفوعاته بشكل أساسي إلى الاستقرار، و إلى إستراتيجية الإصلاح الذي تبناها عقب أزمة المدفوعات التي واجهها خلال عقد الثمانينات.

    و خلال هذه الفترة القصيرة نسبيا من إعادة التكيف الاقتصادي، استطاع الأردن أن يخفض العجز في ميزانيته العامة من 17% من الناتج القومي الإجمالي في عام 1989 إلى أقل من 4% في عام 1996، كما أن التضخم قد انخفض في الفترة نفسها من 26% إلى 5%. و خلال الفترة نفسها أيضا، ازداد حجم الاستثمار من حوالي 24% إلى 35% من الناتج المحلي الإجمالي، كما أن عمليات الادخار قفزت من المستوى السلبي إلى نسبة 12%.

    و تعكس المؤشرات الاقتصادية النجاح الذي حققه الاقتصاد الأردني من خلال سياسته المالية الرامية لتقليل العجز في الموازنة، و ترشيد الإنفاق العام، و تخفيض نسبة الهدر في المال العام، مما يؤدي إلى انخفاض كبير في حجم الديون الداخلية العامة. فقد انخفضت تلك الديون الداخلية من (1.2) بليون دينار في عام 1994 إلى أقل من بليون دينار نهاية عام 1996، تاركة الكثير من الموارد المالية للقطاع الخاص، الذي أصبح دوره الاستثماري يتزايد بسرعة. هذا، و في الوقت نفسه، انخفضت الديون الخارجية من 190% من الناتج بالمحلي الإجمالي في عام 1990 إلى 90% في عام 1996.

    هذا التحسن في مجال المديونية العامة في الأردن، المترافق مع تحسن أداء الإدارة المالية، أكسب الأردن سمعة طيبة في مجال الائتمان، حيث تمكن الأردن من دخول السوق الدولية لأول مرة منذ أزمة مديونيته، و حصل على تسعير يقل عن 1% فوق سعر الليبور، و هو سعر لم تحصل عليه دول عديدة تماثل تصنيف الأردن الائتماني "البرازيل 180 نقطة، و الأرجنتين 150 نقطة".

    و في مجال الخصخصة، فما زالت الملكية العامة تتركز في مشاريع البنية التحتية، مثل النقل، و الطاقة، و المياه، و الاتصالات، و من خلال المؤسسة الأردنية للاستثمار، في بعض الشركات الكبرى مثل الفوسفات، و البوتاس، و الإسمنت. و تقوم الفلسفة الاقتصادية، التي تتبناها الحكومة حاليا، على الانسحاب التدريجي من النشاط الاقتصادي، و إعطاء القطاع الخاص دورا أكبر ليلعبه. و قد استهلت الحكومة هذا التوجه بتحويل مؤسسات الاتصالات و الكهرباء إلى شركات حكومية، حيث ستقوم بالبحث في وسائل التخاص كافة، سواء بالبحث عن شريك إستراتيجي، أو البيع المباشر للقطاع الخاص.

    و من جانب آخر، فإن الدول التي حققت معدلات نمو عالية على مدى فترة ممتدة من الزمن، كما هي دول جنوب شرق آسيا، امتازت بمعدلات ادخار و استثمار مرتفعة، حيث تمحورت هذه المعدلات بحدود 30%. أما بالنسبة لنا في الأردن، فإن التكوين الرأسمالي الإجمالي عالي النسبة، حيث بلغ في عام 1996 (1.7) بليون دينار أردني، و هذا المبلغ يمثل 32% من إجمالي الناتج المحلي، و كان نصيب القطاع الخاص 81%.

     و بالمقابل، ما زالت المدخرات المحلية محدودة، و تصل نسبتها إلى 12.1% فقط من إجمالي الناتج المحلي، و هذا المستوى قادر بصعوبة على أن يغطي ثلث إجمالي بناء رأس المال الثابت، مما يخلق فجوة مالية نحتاج إلى تجسيرها بتمويل ملائم لها، و ذلك من خلال مصادر و وسائل متعددة، منها ترشيد الإنفاق الحكومية و تقليصه، و تحسين مستوى الادخار المحلي، إلى جانب الاعتماد المدروس على مصادر تمويل خارجي، تلعب المصارف المحلية دور الوسيط فيه.

    و على الرغم من هذه الإنجازات الفعلية التي استطاع الأردن تحقيقها خلال فترة قصيرة نسبيا، إلا أننا ما زلنا نواجه تحديات خطيرة لتحقيق أهدافنا، و من هذه التحديات:

  1. جدية الاستمرار في هذا النهج الإصلاحي حتى بعد انتهاء مدة البرنامج.
  2. البحث عن المزايا النسبية التي يمكن أن يتمتع بها الأردن، و تعزيزها.
  3. تقليص عجز الميزان التجاري من خلال تحسين الصادرات.
  4. تعزيز قدرتنا على المنافسة.
  5. مواجهة مشكلات البطالة و الفقر بحزم.
  6. تعزيز مستوى المدخرات المحلية، و تعزيز الاستثمارات إلى الناتج المحلي الإجمالي.
  7. تحقيق نمو اقتصادي عال و مستديم.
  8. السيطرة المستمرة على التضخم.

 

    باختصار، استطاع الأردن تحقيق تقدم مهم خلال الأعوام الثمانية الماضية في مجال الاقتصاد الكلي و تصحيح البنية الاقتصادية، إلى جانب العديد من الإنجازات المهمة، التي تركزت على الإصلاحات الهيكلية في مجالات الطاقة، و الزراعة، و المياه، و الاتصالات، بالإضافة إلى ادخار تغييرات رئيسة في الإطار القانوني لتشجيع مشاركة القطاع الخاص، و تشجيع الاستثمار. و قد جاء هذا النجاح اللافت للنظر نتيجة عملية تصحيح و تعديل هيكلية صعبة، لكنها كانت متواصلة و شجاعة، الأمر الذي يستلزم منا مواصلة تلك الجهود للاحتفاظ بما تم تحقيقه بالفعل، و تعزيز قدراتنا على تجاوز التحديات القائمة.

 

نظرة سريعة على القطاع المالي الأردني:

     يتكون القطاع المالي الأردني( المصارف المرخصة، و المؤسسات المصرفية الأخرى باستثناء البنك المركزي) من العديد من الوحدات الصغيرة الحجم، حيث يوجد لدينا (27) مؤسسة مالية بلغ إجمالي موجوداتها بحدود (9.6) مليار دينار، و رؤوس أموالها (381) مليون دينار، يضاف إليها مخصصات و احتياطات بلغت قيمتها (590) مليون دينار، و ذلك بنهاية شهر حزيران من عام 1997، إلى جانب (24) شركة تأمين عاملة في السوق المحلية، منها شركة أجنبية واحدة، كان مجموع موجوداتها بنهاية عام 1995 بحدود (137) مليون دينار، تتنافس فيما بينها بشدة على سوق محدودة بدرجة ملموسة.

    هذا، و قد أثر عامل صغر الحجم في تكلفة الإنتاج لدى القطاع المالي الأردني، في حين أثر عامل شدة المنافسة في هوامشها الربحية. و قد نتج مثل هذا الوضع عن عدم قدرة هذه الوحدات و المؤسسات المالية على تعزيز مواردها المالية و معدلات استثماراتها في القوى البشرية و التكنولوجيا.

    و على رغم الحاجة الملحة إلى اندماج هذه المؤسسات، و خلق مؤسسات أكبر و أقدر على المنافسة، إلا أننا لم نشاهد توجها جديا في هذا الاتجاه، و في حال استمرار مثل هذا الوضع، سيكون من الصعب على الجهاز المصرفي الاستفادة من المزايا التي تتيحها سياسات الانفتاح على العالم، لأنه لن يكون في وضع يؤهله، من حيث التكاليف، للخروج إلى الأسواق العالمية التي ستفتح أمامه، خاصة في الدول المتقدمة، عدا عن كونه لا يملك الخبرات اللازمة لمثل هذا الخروج.

    هذا من جانب التصدير، أما في ما يتعلق بجانب الاستيراد، فإن دخول المؤسسات المصرفية الأوروبية إلى السوق الأردنية بكل ما تملكه من موارد، و معرفة، و تكنولوجيا سيشكل تحديا حقيقيا، و منافسة جدية لها. و يرد مسبقا على القائلين بالقدرة على المنافسة مع وجود عدة مصارف أجنبية،منها البريطاني، و جريندليز، و سيتي، بأن شروط اللعبة ستختلف كليا من الآن فصاعدا.

 

ما هي الآثار المتوقعة للاتفاقية في القطاع المالي؟

     أثارت اتجاهات العولمة و الانفتاح بصورة عامة، و توجه الأردن للانضمام إلى اتفاق الشراكة الأوروبية و منظمة التجارة العالمية (الجات) بصورة خاصة، كثيرا من الجدل بخصوص الآثار و الانعكاسات المحتملة التي ستتركها مثل هذه الخطوة على اقتصاد الأردن. كما تباينت الآراء بخصوص مدى تأثير سياسات الانفتاح في اقتصادنا المحلي، و سأشير فقط إلى مجموعة من الآثار الإيجابية، و أخرى من الآثار السلبية التي يتعرض لها قطاعنا المالي نتيجة لسياسة الانفتاح هذه.

 

أولا:الآثار الإيجابية للانفتاح:

1-      تحرير القطاع المالي من القيود المفروضة عليه، الأمر الذي سيعرضه لتيارات التحديث و التطوير.

2-      خلق الحوافز للقيام بإصلاح هياكل المؤسسات المالية، و بدء قيام هذه المؤسسات بتقديم خدمات مالية شاملة.

3-      خلق فرص الانطلاق للأسواق الخارجية.

4-      التكيف و متطلبات المنافسة في مجالات الكفاءات، و التكاليف، و فعالية سوقنا المالية.

5-      سيؤدي دخول مؤسسات مالية أجنبية، تتمتع بكفاية عالية، إلى تدفق المزيد من الاستثمارات الأجنبية.

6-      استعادة رؤوس الأموال المهاجرة، التي ستشعر بالمزيد من الاطمئنان في ظل مناخ الانفتاح.

7-      إعادة هيكلة المؤسسات المالية على أسس مختلفة عن الماضي، حتى تكون أقدر على المنافسة.

8-      تشجيع قدوم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، باعتبارها المصدر الرئيس للموارد الأجنبية للاستثمار و التنمية.

 

ثانيا: الآثار السلبية للانفتاح:

1-      منافسة غير متكافئة مع منافسين أقوياء يتمتعون بمزايا نسبية مرتفعة في الموارد المالية، و البشرية، و التكنولوجية.

2-      احتمال قيام المؤسسات الأجنبية بتجميع المدخرات الوطنية، و توجيهها لخدمة استثمارات أخرى في بلدانها الأصلية، و ذلك بالنظر لوجود فرص أكثر جاذبية،

     و أقل مخاطر هناك.

3-      فتح قنوات مشروعة لتسرب المدخرات المحلية لصالح استثمارات أجنبية.

4-      التأثير في كفاية السياسات النقدية المتبعة بسبب مناخ الحرية الذي سيمنح للمؤسسات المالية.

 

    أما بالنسبة للقطاع المصرفي، فالباحث لا يعتقد بأن هذا القطاع، بكامل مؤسساته، سيكون قادرا على مواجهة المنافسة الأجنبية في حالة انفتاح واسع على الخارج، و ذلك بسبب ما أشرنا إليه من صغر حجم الوحدات المصرفية العاملة فيه( باستثناء البنك العربي)، و ضآلة مواردها المالية الذاتية و الكلية، و محدودية مواردها البشرية، و عدم مقدرتها على الإنفاق الواسع في مجالات التدريب و التكنولوجيا. لذا، فإن سياسات الانفتاح، التي يمكن قبولها في هذا المجال، يجب أن تبقى محدودة، خاصة في مجال تملك المؤسسات المالية و إدارتها، و مجال المشاركة في المؤسسات المالية الأخرى، مثل شركات الوساطة المالية، و إدارة الأصول، وتملك الأسهم والسندات والمتاجرة بها، وإدارة صناديق الاستثمار المشترك، و تفرع المؤسسات الأجنبية في الأردن، و أن نسمح في المراحل الانتقالية بدخول الخبرات التي تفتقر إليها في السوق الأردنية، و التي نرى أنها ستساعد على تطوير السوق المحلية.

 

إصلاح النظام المالي:

    من عوامل زيادة القدرة التنافسية للاقتصاد القومي توافر تمويل مناسب، من حيث المقدار و النوع و الكلفة، و هذا أمر يعتمد بالشكل الأساسي على سلامة النظام المالي و كفايته، و على قدرته على التوسط الداخلي، و القيام بحشد المدخرات من خلال التخطيط المبدع، و باستثمارها في أوجه ملائمة لحاجات المقترضين و تكون آمنة و منتجة، إلى جانب قيامه بالتوسط الخارجي بين المؤسسات الأردنية التي تبحث عن رؤوس أموال أجنبية، و مصادر لتلك الأموال، كل ذلك ضمن بيئة تتمتع بالاستقرار السياسي و الاقتصادي، إلى جانب توافر بنية تحتية مناسبة. و لأن كفاية الجهاز المالي، و مقدار المعرفة الفنية المتاحة له، و مدى ملائمة الأنظمة و القوانين التي تحكم نشاطه، لها كل الأشر في دور الوساطة هذا، فقد كان القطاع المالي، موضع تركيز في ما يتعلق بالإصلاحات الهيكلية و التشريعية بهدف تعزيز قدرته على حشد المدخرات، و كفاية استخدامها و خلق جهاز مصرفي سليم. و قد كان هذا محور كل سياسات الإصلاح التي أدخلت على هذا الجهاز، منذ أن بدأت في عام 1989 و حتى الوقت الحاضر، مشتملة على ما يأتي:

  1. تطبيق المعايير الدولية لكفاية رأس المال.
  2. تعزيز قاعدة رأس المال من خلال زيادات متكررة في رؤوس الأموال.
  3. تحديد سقف التركز الائتماني، بحيث لا يتجاوز اقتراض أي فرد، أو شركة، أو مجموعة عن 25% من قاعدة رأس المال.
  4. تعويم معدلات الفائدة لتدعيم كفاية توزيع الموارد.
  5. تقليص الرقابة المباشرة، و تعزيز دور الرقابة غير المباشرة.
  6. تشجيع عمليات الاندماج لخلق وحدات أكبر.
  7. حرية الإقراض بالعملات المحلية و الأجنبية.
  8. الإفصاح المالي الكافي، حتى لا تستطيع أي مؤسسة إخفاء مشكلاتها عن الجمهور.
  9. وضع سياسات ائتمانية واضحة، و أسس محددة لمنح الائتمان.

10- تحديد العمليات المصرفية الدولية في مجالات الدفع، و الخدمات المالية.

 

    إلى جانب ما تقدم، سيخضع القطاع المالي للمزيد من الإصلاحات،و ذلك لأجل زيادة كفاية السوق تمهيدا لانفتاح أوسع على الأسواق المالية العالمية. و ستتركز الإصلاحات المطروحة خلال السنتين القادمتين على تعزيز البيئة القانونية، و تعزيز دور الجهات الرقابية في الجهاز المصرفي و سوق رأس المال، و التأمين، و التقاعد رفعا لكفاية السوق، و تعزيزا للمنافسة ضمن أطر عمل موحدة لزيادة قدرة السوق على توفير التمويل اللازم بآجاله المختلفة. أن الإصلاح هذه المرة يمتاز بشموليته، و يركز على توازن مساراته، سواء في مجال الأدوات أو المؤسسات تجنبا لأي اختلال قد يحدث بسبب عدم التوازن الشامل.

    هذا، و لن تقتصر الإصلاحات على القطاع المصرفي التجاري، بل حتى البنك المركزي  سيعيد ترتيب تنظيمه الداخلي ليتناسب ذلك و الروح الجديدة التي ستسود نظام الرقابة على الجهاز المصرفي و عملياته.

    وبشكل أكثر تحديدا، سيتناول الإصلاح المالي الذي سيشمل مختلف مؤسسات القطاع، الجوانب الآتية:

أولا: قانون البنوك:

     إعداد قانون عصري للبنوك يستمد روحه من اتفاقية بازل، و يعزز دور السلطة الرقابية، و يوضح بشكل مناسب:

1-      مجالات عمل المصارف و حدودها.

2-      إجراءات ترخيص المصارف و متطلباته.

3-      إعطاء البنك المركزي حق إدخال متطلبات الرقابة الحصيفة، مثل تصنيف الديون و مخصصات الديون المشكوك فيها، و حدود الإقراض على المستوى الفردي، و مستوى المجموعة.

4-      حق البنك المركزي في التدخل المبكر في عمل المصارف التي تواجه مشكلات.

5-      وضع أسس لمسؤولية المصرف ابتداء من مجلس الإدارة، و انتهاء بكبار الموظفين.

6-      تعزيز دور السوق المالية و أدواتها.

 

ثانيا: ضمان الودائع:

     سيتم العمل على إيجاد مؤسسة لضمان الودائع تمهيدا للتخلي عن الممارسة السابقة، المتمثلة في كفالة الحكومة لجميع الودائع.

 

ثالثا: نظام المدفوعات:

     إدخال نظام مدفوعات يتميز بالسرعة، و السلامة، و الكفاية ليتوازى ذلك مع نظام الدفع

و المقاصة الحديث الذي سيتم تبنيه في سوق عمان المالية.

 

رابعا: نظام التمويل المضمون بالأصول المنقولة:

       تحينا للمناخ التنافسي في القطاع المالي، تجري الاستعدادات لإدخال التأجير(Leasing

و شراء الديون( Factoring)، و رأس المال المغامر(Venture Capital). و في مجال التطبيق العملي لذلك، يتم الآن مناقشة مسودة قانون للتأجير و التمويل المضمون بالأصول المنقولة بين خبراء من البنك الدولي، و الجهات المحلية المعنية بالموضوع، و من ضمنها المؤسسات المالية.

     و سيؤدي مثل هذا التطور إلى توافر ضمانات و تحسن وسائل إدارة المخاطر، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة عرض المنتجات المالية، لأن هذا القانون يوفر وسيلة قانونية للتمويل مقابل منقولات يصعب الآن التمويل مقابلها، و سيتعزز هذا التوجه بإدخال سجل لرهن المنقولات لدى وزارة الصناعة و التجارة.

 

خامسا: نظام الضمان الاجتماعي و صناديق التوفير الأخرى:

       سيتم العمل على إصلاح نظام الضمان الاجتماعي و صناديق التوفير الأخرى، بهدف تحقيق مشاركة أكبر لهذه الصناديق في الاستثمار طويل الأجل، بدلا من الاقتصار على الودائع و حيازة بعض الأسهم للشركات، خاصة بالنسبة لصناديق التوفير.

 

سادسا: إصلاح قطاع التأمين:

     يرى الخبراء أن الأنظمة و القوانين التي تحكم قطاع التأمين بحاجة إلى مراجعة للمحافظة على الملاءة المالية لشركات التأمين، حيث سيتم إعداد قانون جديد ينتج عنه هيئة خاصة للرقابة على أعمال التأمين مع صلاحيات للتفتيش و التدخل حفاظا على سلامة الشركات و حفاظا المؤمنين، و لتطبيق المبادئ المتعارف إليها في هذا المجال.

 

سابعا: الإفصاح المحاسبي و المالي:

       هناك توجه جاد لوضع الإطار القانوني و الأخلاقي الملائم، و ترسيخ الالتزام بالمقاييس و المعايير الدولية للحسابات و التدقيق المالي.

 

ثامنا: إصلاح سوق عمان المالية:

     منذ مدة، و سوق الأوراق المالية الأردنية، تخضع لجملة من الإصلاحات، حيث تم بالفعل إنجاز العديد منها، مثل:

1-      إصدار قانون للأوراق المالية.

2-      الفصل بين وظيفتي الرقابة و الإدارة للسوق المالية.

3-      إيجاد هيئة مستقلة للرقابة على الأوراق المالية.

4-      السماح للقطاع الخاص بتملك السوق المالية.

5-      السماح بإيجاد شركة خاصة للإيداع و التحويل.

6-      البدء في إدخال نظام تعامل بالكومبيوتر.

هذا، و قد هدفت مجموعة الإصلاحات هذه إلى:

7-      إقامة سوق مالية حديثة.

8-      تطبيق المبادئ المتعارف عليها عالميا في الأسواق الدولية.

9-      تحقيق كفاية في تشغيل السوق، و إدارتها.

10- تحقيق مبادئ الشفافية و سرعة توافر المعلومات.

    وهنا، لا بد من التأكيد على أن الأسواق المالية المتحررة و المنفتحة توفر من فرص النمو بقدر ما تخلق من مخاطر ذبذبة التدفقات المالية و آثارها المدمرة، و حالة المكسيك و جنوب شرق آسيا خير شاهد على ذلك. و لكن السؤال هنا هو كيف نعظم المكاسب و نقلل المخاطر؟

و مرة أخرى، يمكن القول بأن التجارب تشير إلى أن المخاطر لا يقلل من آثارها السلبية، إلا تبني سياسات اقتصادية تحافظ على سلامة الأساسيات، مع يقظة لتصحيح أي انحراف وقت ظهوره.

 

التحديات التي تواجهها الصناعة المصرفية:

    عند موازنة الصناعة المصرفية الأردنية مع القطاعات المالية في الدول النامية الأخرى، الموازية للأردن في مرحلة النمو الاقتصادي و التقدم، نجد أن الأردن قد تفوق على كثير من تلك الدول، خصوصا فيما يتعلق بنوعية الخدمات المصرفية و حجمها. إما عند موازنتها مع القطاعات المالية في الدول المتقدمة، فسنجد أنها صناعة ناشئة ما زالت، برغم الإصلاحات المتواصلة التي أدخلت عليها منذ بداية التسعينات، مواجهة بمجموعة من التحديات، تتمثل في:

أ‌-        إدارة المخاطر بأدوات و أفكار خلاقة.

ب‌-    تساقط الحواجز بين الأسواق المالية.

ج‌-      أهمية وجود عناصر بشرية بكفاية عالية.

    هذا إلى جانب التحديات المستمرة التي تواجهها الصناعة المصرفية نتيجة لتواصل التطورات الاقتصادية، الأمر الذي يفرز على الدوام احتياجات مالية مستجدة للمقترضين، تختلف بشروطها، و مخاطرها، و استحقاقها، و طرق تقديمها، و ضماناتها عما كانت في الماضي، مثل الربطات التمويلية المتشابكة طويلة الأمد لتمويل المشاريع الكبيرة. و بالإضافة إلى ذلك، هناك العلاقات المتغيرة باستمرار بين أصحاب الفائض و العجز في الاقتصاد القومي، و الوسطاء بينهم. فهناك توجه متزايد للتخلي عن دور الوساطة للمصارف، من خلال توجه المقترضين مباشرة إلى المقرضين، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كلفة الأموال للمصارف، و انخفاض مردود موجوداتها بسبب تعزيز القوة التفاوضية للمودعين و المقترضين تجاه المصرف.

    إن القدرة على نقل الأموال داخل مجتمع معين، و على الصعيد الدولي، عنصر أساسي في مجال إقامة اقتصاد حديث متطور، و هذا ما على مصارفنا أن تتقنه. إن أهمية المصارف في تمويل التنمية الاقتصادية المحلية في ظل الانفتاح و المنافسة ستزداد دون شك إلى حد بعيد بسبب توسع خيارات الاستثمار أمام الأموال المطلوبة للاستثمار، و هذا الأمر يتطلب من المصارف الأردنية العمل بشكل جاد على تنويع منتجاتها، و توسيع مدى خدماتها، و زيادة خبراتها المالية و تعميقها، و هذا يضع القائمين على العمل المصرفي أمام تحد جدي لتطوير أساليب العمل المتبعة، و توفير أدوات و خدمات مالية ذات مدى أوسع، و أكثر قدرة على تلبية حاجة المستثمرين و أصحاب المشاريع، و رفدهم بما يعزز من قدراتهم التنافسية.

    و الآن، و بعد أن أخذ القطاع الخاص يحل بصورة متزايدة و سريعة محل الدولة في تمويل النمو الاقتصادي، و توزيع الموارد الطبيعية، و ذلك ضمن إطار منظم لإعطاء القطاع الخاص دورا أكبر في النشاط الاقتصادي، مثل هذا التغير يوجب تبني مفاهيم خلاقة، إلى جانب آليات مناسبة و فعالة لتمكين المؤسسات الخاصة من الحصول على أموال تتوافق و احتياجاتها، سواء كانت في صورة رأس مال أو قروض.

    هذه التوجهات، مقرونة بالمنافسة الواردة من خارج الحدود، لا بد و أن تؤدي بالمصارف إلى إعادة النظر في طرق و كلفة إنتاج و تقديم الخدمات لديها من خلال:

1-      إعادة تأهيل كوادرها البشرية، و التركيز على النوعية و الإنتاجية.

2-      تبني الأساليب المتقدمة في إدارة الموجودات.

3-      تطوير سوق رأسمالية و نقدية نشيطة.

4-      زيادة الاستثمار في تكنولوجيا الاتصالات و المعلومات.

5-      الاندماج في السوق الإقليمية و الدولية.

6-      تطوير خبرات متقدمة في تعرف المخاطر، و إدارتها.

 

المخاوف و المحاذير المرتبطة بالإنفاق:

    تدخل اتفاقية الشراكة الأوروبية الأردنية حيز التطبيق، و المجتمع الدولي يعيش ذيول أزمة دول جنوب شرق آسيا، و يستخلص العبر منها، حيث نبهت مشكلة هذه الدول كثيرا من دول العالم النامية إلى ضرورة تحسين اقتصادياتها ضد مخاطر الانفتاح الواسع و غير المدروس، خاصة بعد أن أدرك عدد من الدول المتضررة مجموعة من الحقائق، منها:

1-      أهمية زيادة القدرة التصديرية للدول، و تقليص عجزها التجاري.

2-      خطورة الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية الساخنة، و التركيز على الاستثمار في الأصول الحقيقية.

3-      أهمية الانتماء إلى تجمع إقليمي لزيادة القدرة على مواجهة الأزمات.

4-      خطورة هشاشة النظام المالي و عدم قدرته على تلقي و استيعاب الصدمات بمرونة.

5-      خطورة عدم حصافة سياسات الإقراض، حتى في حالات النمو الشديد.

6-      الاقتراض بالعملة الأجنبية، و الإقراض بالعملة المحلية، دون تغطية مخاطر سعر الصرف.

    ليس هذا فحسب، بل أخذت تتبلور وجهة نظر قوية ضد الانفتاح المطلق، و استبداله بانفتاح منظم، يأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول الضعيفة لتجنيبها مخاطر الأزمات التي قد تعصف بكل إنجازاتها دفعة واحدة.

    مثل هذه التطورات، إلى جاني أسباب أخرى تتعلق بالحجم و الخبرة، و تفوق المصارف الأوروبية في ما يتعلق بميزات الحجم، و الخبرة، و المكون التكنولوجي، الذي يكسبها خبرة نسبية لا تتوافر لدى مصارفنا، قد أدت إلى تعزيز مصادر التخوف لدى قاعدة عريضة من المهتمين و القائمين على القطاع المصرفي الأردني، حيث إن انعدام التوازن بين كفاية الجهاز المصرفي الأردني و الأوروبي سيؤدي إلى غياب القدرة التنافسية لخدمات الأردن المالية أمام الخدمات المقدمة من قبل مصارف الدول الأوروبية.

    و لن يكون الخوف على القطاع المصرفي الأردني مقتصرا على منافسة المؤسسات المالية الأوروبية، سواء كان ذلك من خلال أمكانية تقديم خدماتها في السوق الأردنية دون وجود فعلي، أو من خلال وجود فعلي به، بل سيكون أيضا ناتجا عن الخوف على استثماراته في تلك القطاعات الاقتصادية التي ستتأثر بسياسة الانفتاح. مثل هذه السياسة في تونس، حولت ما نسبته 28% من إجمالي موجودات المصارف من قروض إلى ديون غير عاملة، و هذا رقم مرعب يزيد كثيرا عن حجم المشكلة في جنوب شرق آسيا، حيث تتراوح قيمة القروض غير العاملة لدى البنوك ما بين 10%- 20%.

 

الخلاصة:

    إن اتفاقية الشراكة الأوروبية ستعني، من بدايتها إلى نهايتها، انفتاح سوق السلع و الخدمات الأردنية أمام المنتجات الأوروبية. و هذا الانفتاح يعني:

أ‌-       في المجل المالي:

-          منافسة غير متكافئة من المؤسسات المالية الأوروبية ذات الحجم، و الخبرة، و الموارد و الانتشار، للمؤسسات المالية الأردنية المتميزة بالوجود المحلي، و محدودية الموارد و الخبرة و المعرفة الفنية.

-          حرية تملك الأجانب للمؤسسات المالية في الأردن ستؤدي ببعض المؤسسات الأجنبية إلى السيطرة على بعض مؤسسات الجهاز المالي المحلي، و خلق منافسة قد لا تكون متكافئة، أو في صالح المصارف الأردنية. أما على الجانب الإيجابي، فإن مثل هذه الخطوة ستعني إدخال رأس مال، و معرفة فنية، و معايير عالية في الائتمان و الخدمة، الأمر الذي سيضطر المؤسسات المحلية الأخرى علة مجاراتها. و من الجدير بالذكر، أن هذا التوجه ساعد دول أمريكا اللاتينية على تجاوز مشكلتها المصرفية خلال عامي 93/1994. و هناك من يدعي بأن معظم دول جنوب شرق آسيا ما زالت تغلق أبواب تملك الصناعة المصرفية أمام الأجانب، و كان ذلك سببا لعدم تطورها و وصولها إلى ما وصلت إله الآن من صعوبات.

ب‌-   أما في المجال الصناعي:

    فسيعني الانفتاح منافسة من صناعة وصلت مرحلة متقدمة من النضوج، بفعل المعرفة المتراكمة على مر السنين، و بفضل الاستخدام المكثف للتكنولوجيا، و تسعى لتعزيز صادراتها، و أيجاد أسواق واسعة لها بقدر ما نسعى نحن إن لم يكن أكثر. و سيؤدي عدم قدرة صناعتنا على المنافسة إلى تراجع هذا القطاع المهم، و بالتالي ستواجه المصارف مشكلة مديونية صعبة.

    إن الهمل على مواجهة التحديات و المخاطر المحتملة التي يواجهها قطاعنا المالي يستلزم منا أن نباشر فورا:

1-      بتعزيز الموارد الذاتية للمؤسسات المالية، و تكوين وحدات كبيرة منها من خلال عمليات اندماج طوعية محفزة بكل الوسائل، خاصة و أن كلفة تشجيع الاندماج في البداية ستكون أقل كثيرا من كلفة الإصلاح.

2-      الإسراع في إصدار بقية التشريعات الرقابية و التنظيمية، المتعلقة بالأعمال المصرفية في المملكة.

3-      خلق الكفايات و القيادات الإدارية القادرة على مواجهة تحدي الانفتاح و آفاقه.

4-      العمل الدؤوب على تطوير السوق النقدية و الرأسمالية و تحديثها.

5-      الاستثمار المشترك في تكنولوجيا الاتصال و المعلومات.

6-      إدخال المنتجات المصرفية الحديثة، و التوسع في استخدامها.

    خلاصة القول إن التوجه العالمي نحو التحرر، و التكامل الاقتصادي، و العولمة توجه شامل لا بد من مسايرته، لكن بالحد الأدنى من الضرر، لأن الانفتاح القادم سيكون له كثير من الآثار السلبية التي ستؤثر بشدة في اقتصاديات الدول النامية ذات الحجم الصغير، و القدرة الأقل على منافسة اقتصاديات الدول المتقدمة ذات الحجم الكبير، و القدرة الأكبر على المنافسة.

    و في الختام، أرجو أن أوضح بأنني لا أدعو هنا إلى مقاومة توجهات الانفتاح، فهذا توجه عالمي، و الخروج عنه سيجعلنا خارج الدائرة التي تشتمل على ما لا يقل عن 85% من الاقتصاد العالمي، إلا أن استذكار تجربة جنوب شرق آسيا، و أخذ العبر منها يجب أن يتزامن مع الانفتاح، و اكتمال سياسة الإصلاح المالي ليكون لدينا مؤسسات مالية قوية و سليمة قادرة على مواجهة تحديات العولمة و الانفتاح و آثاره الإيجابية و السلبية، كي لا تتقلص مساهمة هذا القطاع المهم في رفد الاقتصاد القومي باحتياجاته، و يحل محله القطاع المالي الأجنبي الذي تحكمه أولويات تختلف عن أولويات القطاع المالي المحلي.

 

 

عودة للقائمة

Site Navigation

 مفلح عقل في سطور

السيرة الذاتية
أهم الشهادات
ألبوم صور

 كتب منشورة

 مقـــالات منشورة

 كلمات مفلح عقل

 أبحاث منشورة

 لمراسلتنا

Quick Search


 

كتاب وجهات نظر مصرفية (ج1)

كتاب وجهات نظر مصرفية (ج2)

كتاب الفوائد - أسعار الفوائد

كتاب مقدمة في الإدارة المالية

البنوك الإسلامية

تنافسية القطاع المصرفي

   
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
       
     
 
Copyright © 2005 MuflehAkel.com,  All rights reserved.