أثر انضمام الأردن إلى منظمة التجارة
العالمية في القطاع المصرفي
مقدمة إلى
ورشة عمل حول أثر الاتفاقية العامة للتجارة
في الخدمات
(GATS)
في الدول الأعضاء في المصرف الإسلامي
للتنمية
عمان – الأردن
24-1999/1/26
أثر انضمام الأردن إلى منظمة التجارة
العالمية في القطاع المصرفي
تمخضت جولة الأورغواي عن اتفاق طموح
لإجراء تحرير جذري للتجارة العالمية، و ضم
هذا التحرير لأول مرة التجارة في الخدمات،
إلى جانب السلع التي يتعين على الدول
الأعضاء السماح فيها بالمنافسة الحرة داخل
أسواق كل منها.
و قد اعتبر دمج الخدمات، و ضمها إلى
إطار التجارة الدولية، و إخضاعها لولاية
اتفاقية الجات و قواعدها العامة، إلى جانب
قواعد خاصة أخرى تتناسب و طبيعة التجارة في
الخدمات باعتبارها سلعا غير منظورة، من أهم
القرارات التي نتجت عن جولة الأورغواي
الأخيرة. و قد تم تضمين نتائج جولة
الأورغواي، و أبرز النتائج المتعلقة
بالتجارة في الخدمات ضمن الاتفاقية العامة
للخدمات(
General Agreements on Trade in
Services/GATS)
و هي توازي في شموليتها، و أهميتها
الاتفاقية العامة للتجارة و التعرفة
الجمركية.
لقد أصبحت تسع دول عربية أعضاء في هذه
المنظمة، بينما هناك خمس دول أخرى، من ضمنها
الأردن، في مرحلة تفاوض للانضمام إليها.
و بالنسبة للأردن، فقد قطع شوطا متقدما
في مفاوضاته مع منظمة التجارة العالمية، و
يتوقع أن ينهي هذه المفاوضات، و يصبح عضوا
كاملا في هذه المنظمة خلال العام الحالي،
خاصة بعد أن قام بالعديد من المتطلبات في
مجال التحرر، و الانفتاح و الرسوم الجمركية،
و إعداد جداول الالتزامات إلى جانب العديد
من مشاريع القوانين في مجال حماية الملكية
الفكرية، و الجمارك و الاستيراد و التصدير،
و الاستثمار و منع الاحتكار، و حماية
الإنتاج الوطني، و التأمين، و المواصفات و
المقاييس.
و ستتناول هذه الورقة أهم العناصر التي
تضمنتها هذه الاتفاقية، و القواعد، و
الالتزامات المحددة لها إلى جانب القطاعات
الخدمية المشمولة في جولة الأورغواي
الأخيرة. و سيعرض الباحث المسوغات لشمول
الخدمات ضمن إطار التحرير الكامل للتبادل
التجاري، ووجهات نظر الدول المتقدمة، و
الأقل نموا في هذا الخصوص، وذلك قبل أن
يتناول الآثار السلبية، و الإيجابية
المحتملة لهذه الاتفاقية في القطاع المصرفي
الأردني. و في النهاية، سيورد بعض
المقترحات، و الاجتهادات بخصوص ما يتعين
علينا القيام به لمواجهة الآثار السلبية
المحتملة لهذه الاتفاقية للتخفيف من حدتها.
المقدمة
لم يتم الوصول إلى النتائج المتعلقة
بتحرير التجارة في السلع و الخدمات، إلا بعد
جهود عالمية امتدت عقودا، شهد العالم من
خلالها مجموعة من التطورات المتلاحقة في
مجال السعي نحو تحرير التجارة الخارجية، و
إزالة العوائق الجمركية و الكمية كافة أمام
حركة التبادل السلعي بين دول العالم، الأمر
الذي ترتب عليه ضرورة قيام كيان مستقل يهدف
إلى وضع قواعد، و أسس، و أنظمة واضحة
المعالم لتنظيم السياسة المتعلقة بالتبادل
التجاري بين دول العالم بشكل مؤسسي، و منظم،
إلى جانب حل الخلافات التي قد تنشب بين
الدول فيما يتعلق بالمسائل التجارية.
و قد جاء الإقرار العالمي لإنشاء منظمة
التجارة الدولية(W.T.O)
في مطلع عام 1995، و تمييزها كمؤسسة ذات
كيان دولي مستقل إداريا و ماليا تعمل على
مستوى مماثل لكل من المصرف الدولي، و صندوق
النقد الدولي، مع فارق عدم خضوعها لمظلة
الأمم المتحدة، تلبية لهذه الحاجة حيث حلت
تلك المنظمة محل الاتفاقية العامة للتجارة و
التعرفة الجمركية(الجات) التي باشرت أعمالها
في عام 1948. و قد مثلت تلك الخطوة انتقالا
من مرحلة النصح
و الإرشاد لأهمية التجارة الحرة و ميزاتها،
إلى نظام أكثر جدية و صرامة في التأكيد على
حرية التجارة، و انسيابها بين الدول.
ففي حين اشتملت أنظمة الجات على مبادئ
الدول الأكثر رعاية، و تشجيع قيام مناطق
الاتحادات الجمركية متعددة الأطراف، و
التأكيد على مبادئ عدم التمييز بين السلع
المحلية، و تلك المستوردة في الضرائب، و طرق
الوصول إلى الأسواق، و سياسات التحدي الكمي،
أو الدعم، قامت منظمة التجارة الدولية
بتوسيع نطاق عملها لتشمل، إلى جانب السلع،
أنواع الخدمات الممكن تبادلها بين الدول
كافة، و أدخلت العديد من الأسس، و القواعد
المتعلقة بالتبادل التجاري مثل حماية
الملكية الفكرية، و المساواة في التعامل
التجاري بين جميع دول العالم، و التأكيد على
مبدأ المساواة بين السلع المستوردة، و
المحلية، و حرية التبادل التجاري في الخدمات
جنبا إلى جنب مع التبادل السلعي.
المسوغات لشمول الخدمات ضمن إطار التحرير
التجاري:
قامت الدعوة إلى تحرير تجارة الخدمات
على الفلسفة نفسها التي قامت عليها فكرة
تحرير التجارة الدولية في السلع، و هو مبدأ
الميزة النسبية، لأن الميزة النسبية تساعد
على رفع كفاية الموارد الاقتصادية، و تؤدي
إلى بقاء منتجي السلع و الخدمات الأكثر
كفاية، و الأقل هدرا للمصادر الطبيعية،
الأمر الذي يؤدي في محصلته النهائية إلى رفع
سوية أداء الاقتصاديات القومية، و نمو حجم
التجارة الدولية، و بالتالي تحقيق الرفاهية
التي هي الغاية التي يسعى إلى تحقيقها جميع
المخططين و الاقتصاديين في العالم.
و قد جاء في مقدمة الاتفاقية العامة
لتجارة الخدمات المسوغات لضم الخدمات إلى
إطار التحرير الكامل للتجارة، حيث تم التوصل
إلى هذه الاتفاقية في ضوء الاعتبارات
الآتية:
1- الاعتراف بالأهمية المتزايدة للتجارة
في الخدمات، و أثرها في نمو الاقتصاد
العالمي.
2- الرغبة في إقامة إطار
مبادئ متعدد الأطراف لتجارة الخدمات، بهدف
التوسع في هذه التجارة في ظروف من الشفافية،
و التحرر، و كوسيلة لتحفيز النمو الاقتصادي
لجميع الأطراف.
3- الرغبة المبكرة في تحقيق مستوى متقدم
من التحرر في مجال التجارة في الخدمات من
خلال جولات متعددة الأطراف من النقاش، و
المفاوضات تهدف إلى تحقيق غايات مشتركة
لجميع الأعضاء المشاركين.
4- الاعتراف بحقوق الأعضاء في تنظيم
الأنظمة الجديدة المتعلقة بتنظيم الخدمات
داخل حدودهم
القومية و إدخالها لتحقيق أهداف السياسات
الوطنية.
5- الرغبة في تسهيل زيادة مشاركة الدول
النامية في تجارة الخدمات، و زيادة صادراتهم
الخدمية من خلال تعزيز قدراتهم الداخلية، و
كفايتهم في إنتاج الخدمات، و كذلك مكانتهم
التنافسية.
6- الأخذ بعين الاعتبار المصاعب الجدية
التي تعيشها الدول الأقل نموا بسبب ظروفها
الاقتصادية الخاصة.
ما المقصود بتجارة الخدمات؟
تشمل كلمة الخدمات كل الخدمات في أي من
القطاعات الخدمية، بما في ذلك إنتاج الخدمة
و توزيعها، و تسويقها، و بيعها، و تقديمها
وفقا للأشكال الأربعة الآتية:
1-
انتقال المنتوجات الخدمية عبر الحدود(Cross
Borders):
حيث تقدم الخدمة من أراضي عضو إلى أراضي عضو
آخر، و لا يتطلب ذلك الانتقال الفعلي من
جانب المورد أو المستهلك، بل انتقال الخدمة
نفسها(المصرفية).
2-
انتقال المستهلكين إلى البلد المستورد(Consumption
Abroad):
و يقصد بذلك تقديم الخدمة من عضو إلى مواطني
عضو آخر، و لكن خارج أراضيه. و هنا ينتقل
المستهلك إلى بلد المورد(السياحة و الطلاب).
3- إقامة وجود تجاري(Commercial
Presence)
في البلد الذي ستقدم فيه
الخدمات:
و يتم هنا تقديم الخدمة من خلال
وجود الشركات، أو الوكالات، أو مكاتب
التمثيل، حيث
يترتب على ذلك انتقال المشروع المورد للخدمة
إلى البلد المستفيد(فرع أو شركة تابعة).
4- الانتقال المؤقت للأشخاص
الطبيعيين(Natural
Presence)
إلى البلد الآخر لتقديم الخدمة:
و يتم هنا توريد الخدمة عن طريق إيفاد أشخاص
من دولة العضو المورد إلى أراضي عضو آخر
للتوريد عن طريق الوجود المؤقت(الخبراء و
المستشارون).
القواعد العامة و الالتزامات المحددة
لاتفاقية(GATS):
(General
Obligations and Discipline)
يتكون هيكل اتفاق الخدمات من مفاهيم
عامة، و مبادئ، و من تعهدات محددة للدول
الأعضاء، و يطبق اتفاق الخدمات على التدابير
الحكومية التي تؤثر في الخدمات التي تقدم
بطرق تجارية. و يمكن تقسيم الالتزامات التي
يفرضها الاتفاق إلى فئتين، هما:
أولا: التزامات عامة:
و هي المبادئ العامة التي تطبق على
الأطراف المتعاقدة كافة باستثناء بعض الدول
النامية التي يتم منحها بعض المرونة، و تمثل
هذه الالتزامات قواعد رئيسة للسلوك التجاري
الدولي،
و هي:
1- الالتزام بمبدأ معاملة الدولة الأولى
بالرعاية(Most
favored-Nation Treatment)،
غير أنه رئي أنه لا يكون من العملي تطبيق
هذا المبدأ فورا على جميع الخدمات، و
مورديها. و لهذا، سمح الاتفاق للدول المعنية
تحديد ما تراه من استثناءات طبقا لشروط
معينة من أهمها مراجعة الاستثناءات بعد(5)
سنوات، على ألا تتعدى فترة سريانها(10)
سنوات بأي حال من الأحوال.
2- الشفافية (Transparency)،
حيث تتعهد كل دولة بنشر القوانين، و
القرارات
و الإجراءات الوطنية، ذات الصلة تنفيذا
للاتفاقية، أو إتاحة هذه المعلومات بأية
طريقة أخرى إذا ما تعذر النشر مع إنشاء مكتب
للمعلومات حول الخدمات.
3- المعاملة الوطنية، و عدم التمييز في
المعاملة تجاه الدول الأعضاء، أو رعاياها.
4- النفاذ إلى الأسواق(Market
Access).
5- تسهيل المشاركة المتزايدة للدول النامية،
و إدماجها بشكل متدرج في السوق العالمية.
و تشكل مجموعة القواعد هذه، الإطار
العام لدور منظمة التجارة العالمية الهادف
إلى خلق تجارة عالمية للسلع و الخدمات،
تتنافس في سوق حرة تقوم على الوضوح و
الشفافية و عدم التمييز في المعاملة.
ثانيا: التزامات محددة:
و هي الالتزامات التي يتم تضمينها في
جداول العروض المقدمة من كل عضو، و التي
يلتزم العضو بموجبها بتحرير قطاعات خدمية
معينة، و يحدد من خلالها درجة هذا التحرير،
و معاييره، و المؤهلات الواجب توافرها لمنح
موردي الخدمات الأجانب المعاملة الوطنية
نفسها. و لا يتم تغيير ما التزم به العضو،
إلا بعد الرجوع إلى الأطراف المتعاقدة.
قطاعات الخدمات التي شملتها جولة الأورغواي
الأخيرة:
تمتد كلمة خدمات لتشمل مجالا واسعا من
النشاطات الاقتصادية المختلفة، و قد قامت
أمانة منظمة التجارة العالمية بتقسيم هذه
النشاطات المتنوعة إلى (12) قسما تشمل
القطاعات الآتية:
1-
خدمات الأعمال التجارية(الخدمات المهنية، و
خدمات الحاسوب، و الخدمات العقارية...الخ).
2-
خدمات الاتصالات(بريد، و نقل، و خدمات سمعية
و بصرية).
3-
خدمات التوزيع(الوكلاء بالعمولة، و خدمات
تجارة الجملة، و خدمات تجارة التجزئة).
4-
خدمات التعليم.
5-
خدمات البيئة.
6-
الخدمات المالية.
7-
الخدمات الصحية.
8-
خدمات السياحة و السفر.
9-
الخدمات الترفيهية، و الثقافية، و الرياضية.
10-الخدمات الاستشارية.
11- الخدمات الأخرى غير المشمولة في مكان
آخر.
أما الخدمات المالية: فتقسم إلى ما يأتي:
أ-
جميع خدمات التأمين، و ما يتصل بها: التأمين
المباشر(حياة، و حوادث، و صحي)؛ إعادة
التأمين، و الوساطة، و السمسرة، و الخدمات
الاستشارية.
ب-
الخدمات المصرفية، و غيرها من الخدمات
المالية عدا التأمين:
1-
قبول الودائع.
2-
الإقراض.
3-
التأجير التمويلي.
4-
خدمات الدفع و التحويل.
5-
الضمانات و التعهدات.
6-
الاتجار بأدوات السوق المالية، و النقد
الأجنبي، و المشتقات المصرفية،
و الخيارات.
7-
المشاركة في الإصدارات المالية(الاكتتاب ، و
التسويق).
8-
السمسرة المالية.
9-
إدارة الأصول(النقد، و محافظ الأوراق
المالية، و الاستثمارات الجماعية،
و إدارة الصناديق).
10- خدمات التسويات و المقاصة.
11- خدمات الاستشارة المالية.
12- تقديم المعلومات المالية، و نقلها.
تحرير الخدمات من وجهة نظر دولية:
إن الاتفاق الذي تم الوصول إليه في
جولة الأورغواي حول تجارة الخدمات، كان
حصيلة وجهتي نظر تباينت فيهما مواقف الدول
المتقدمة، بقيادة الولايات المتحدة
الأمريكية، و الدول النامية. فالدعوة إلى
إدخال الخدمات، جنبا إلى جنب مع السلع ضمن
اتفاقية الجات، جاءت من جانب الولايات
المتحدة، التي قدمت في عام 1982 وثيقة إلى
الجات أكدت فيها أهمية الخدمات في الاقتصاد
العالمي. و قد ساندتها في ذلك معظم الدول
المتقدمة، و بشكل خاص، دول منظمة التعاون
الاقتصادي و التنمية التي أيدت المبادرة
الأمريكية بقوة في حين عارضتها معظم الدول
النامية، و كان لكل منهما وجهة نظر مختلفة
دافع فيها عن موقفه:
وجهة نظر الدول المتقدمة:
كانت الدول المتقدمة إلى جانب الفكرة من
منطلق أهمية النمو الكبير في تجارة الخدمات
المالية قياسا على ما حدث بين الدول
الصناعية التي اتسع نطاق تبادل الخدمات
المالية في ما بينها خلال العقدين الماضيين
على نحو ملحوظ بفعل التطورات التكنولوجية
السريعة، يضاف إلى ذلك ما تمثله الخدمات
المالية من أهمية للاقتصاد العالمي. هذا إلى
جانب الفرص الكبيرة الكامنة في أسواق كثيرة
من الدول النامية، حيث ينظر إلى هذه الأسواق
على أنها أسواق مالية واعدة.
وجهة نظر الدول النامية:
تناولت الدول النامية، بكثير من الشك،
فكرة المكاسب التي ستحصل عليها نتيجة تحرير
قطاع الخدمات، و بشكل خاص القطاع المالي، و
ذلك قياسا بالخبرة السابقة في مجال تحرير
تجارة السلع التي أدت إلى تدهور شروط
التبادل التجاري لصالح الدول المتقدمة.
و مصدر التخوف الرئيس للدول النامية،
انعدام التوازن بين كفاية قطاع الخدمات في
الدول النامية و الدول المتقدمة، و بالتالي
غياب القدرة التنافسية لخدمات الدول النامية
أمام الخدمات المقدمة في الدول الصناعية، و
ذلك لتفوق الأخيرة بسبب المكون التكنولوجي
في إنتاجها، الأمر الذي يكسبها ميزة نسبية
لا تتوافر لدى الدول النامية.
ليس هذا فحسب، بل تنظر الدول النامية
إلى الاتفاقية في مجملها على إنها تعكس
مصالح الدول المتقدمة حيث تتساءل الدول
النامية عن أسباب الصحوة المتأخرة للدول
المتقدمة. فبعد فترة مئتي عام من الثورة
الصناعية، حققت الدول الصناعية فيها الكثير
من التقدم على حساب البيئة، و على حساب
الدول الأخرى، و باستعمال كل وسائل الحماية
الجمركية، و غير الجمركية، تطالب الآن
بالانفتاح و التحرر كسبيل أساسي لتطوير
الدول النامية.
و عليه، ترى الدول النامية أن هذه
الاتفاقية جاءت استجابة لضغوط الأقوياء، و
مصالحهم المتمثلة في فتح أسواق الدول
النامية أمام منتجاتهم، و مصالحهم الضخمة.
فعلى سبيل المثال، المحاسبة مسيطر عليها
بطريقة ملموسة من قبل ست شركات عالمية
جميعها أمريكية و أوروبية، و كذلك الحال في
قطاع إعادة التأمين، و القطاع المالي حيث أن
هناك العديد من المصارف الأمريكية و
الأوروبية واليابانية، التي يفوق حجم
الواحد منها حجم مصارف منطقة جغرافية نامية
بأكملها.
هذا، و من جانب آخر، تخشى معظم الدول
النامية أن يعمل تحرير التجارة في الخدمات
على زيادة ضغوط التكيف على القطاعات
المرتبطة بها بشكل خاص، و على باقي القطاعات
الأخرى بشكل عام.
و حيث أن العمالة الماهرة هي الأساس في
تجارة الخدمات، و خاصة الخدمات المالية، لذا
فإن الدول التي يتوافر لديها هذا العنصر،
تكون أكثر حماسة لشمول قواعد الجات للخدمات
المالية، بعكس الدول التي لا تتمتع بمزايا
نسبية في هذا المجال. و هذا الأمر يفسر
الخلاف بين الدول المتقدمة التي تتوافر
لديها الكفايات البشرية بأعداد و مزايا أكثر
بكثير من تلك التي تتوافر للدول النامية.
إن تحرير الخدمات يعني إمكانية تصديرها
عبر الحدود، كما يعني فتح الأسواق المحلية
للمنافسة. و للدول النامية و المتقدمة آراء
متفاوتة حول هذا الموضوع، فالدول النامية
ترى في تصدير الخدمات المالية مصدرا لمنافسة
شديدة على الساحة الدولية لا قبل لمؤسساتها
بمواجهتها، خاصة مع ضخامة حجم المؤسسات
المالية التي أخذت تظهر مع ظهور الكيانات
الكبيرة مثل أوروبا الموحدة.
أما بالنسبة للمكاسب الناجمة عن فتح
أسواق الدول النامية للمنافسة الأجنبية، فإن
المحصلة الصافية لها تتوقف على مدى إمكانية
تحويل المكاسب المحتملة إلى مكاسب فعلية، و
سيؤدي الحرص على تحقيق المكاسب لمؤسسات
الخدمات في الدول النامية إلى مواجهة مباشرة
غير متكافئة مع المؤسسات الدولية لما تتمتع
به هذه الأخيرة من ميزات الحجم، و الخبرة و
درجة استعمال التكنولوجيا المتقدمة. و مع
الأخذ بعين الاعتبار طبيعة العمليات المحلية
لمؤسسات الخدمات في الدول النامية، و عدم
خبرتها الدولية، فإن المنافسة، بلا شك،
ستكون غير عادلة.
القطاع المالي في الأردن و الانضمام إلى
اتفاقية الخدمات:
إن الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية
سيعني، ضمن ما يعنيه، تقديم مجموعة من
الالتزامات المحددة بخصوص قطاعات الخدمات
المحلية التي سيتم فتحها لموردي الخدمة
الأجانب، و الشروط الموضوعة لذلك عند النفاذ
إلى السوق الوطنية و المعاملة الوطنية، وفقا
لاتفاق التجارة في الخدمات.
و في المقابل، سيحصل الأردن على حق
الدخول إلى الأسواق الخارجية في الدول
الأعضاء، و الاستفادة من التزامات الدول
الأخرى في ما يختص بالتجارة في الخدمات،
التي تعتبر حقا للخدمة المحلية الأردنية
جنبا إلى جنب مع غيرها من الدول الأعضاء في
المنظمة.
إن الانضمام إلى الاتفاقية سيعني فتح
السوق الأردنية، أمام المنتجين الأجانب، و
هنا يثور سؤال حول قدرة القطاع المالي
الأردني على الصمود أمام المنافسة الأجنبية.
القطاع المالي الأردني:
يتكون القطاع المالي في الأردن من
العديد من الوحدات الصغيرة الحجم، إذ يوجد
لدينا (27) مؤسسة مصرفية بلغ إجمالي
موجوداتها بحدود (9) مليارات دينار، و رؤوس
أموالها (349) مليون دينار، يضاف إليها
مخصصات و احتياطات بلغت قيمتها(528) مليون
دينار، و ذلك بنهاية شهر أيار عام 1996، إلى
جانب (18) شركة تأمين عاملة في السوق
المحلية، منها شركة أجنبية واحدة، كان مجموع
موجوداتها بنهاية عام 1994(121) مليون
دينار، تتنافس في ما بينها بشدة على سوق
محدودة بدرجة ملموسة.
هذا، و قد أثر عامل صغر الحجم في تكلفة
الإنتاج لديها، في حين أثر عامل شدة
المنافسة في هوامشها الربحية. و قد عزز مثل
هذا الوضع عدم قدرة هذه الوحدات و المؤسسات
المالية على تعزيز مواردها المالية، و على
معدلات استثماراتها في القوى البشرية و
التكنولوجيا.
و على رغم الحاجة الملحة إلى اندماج هذه
المؤسسات، و خلق مؤسسات أكبر و أقدر على
المنافسة، إلا أننا لم نشاهد توجها جديا في
هذا المجال، و في حال استمرار مثل هذا
الوضع، سيكون من الصعب على الجهاز المصرفي
الاستفادة من المزايا التي تشير إليها
اتفاقية التجارة في الخدمات، لأنه لن يكون
في وضع يؤهله، من حيث التكاليف، للخروج إلى
الأسواق العالمية التي ستفتح أمامه خاصة في
الدول المتقدمة، هذا إلى جانب كونه لا يملك
الخبرات اللازمة لمثل هذا الخروج.
هذا من جانب التصدير، أما في ما يتعلق
بجانب الاستيراد، فإن دخول المؤسسات
المصرفية الدولية إلى السوق الأردنية بكل ما
تملكه من موارد، و معرفة، و تكنولوجيا سيشكل
تحديا حقيقيا، و منافسة جدية لها، و يرد
مسبقا على القائلين بالقدرة على المنافسة مع
وجود خمسة مصارف أجنبية(البريطاني، و
جريندليز، و العقاري، و سيتي، و الرافدين)،
بأن شروط اللعبة ستختلف كليا من الآن
فصاعدا.
الآثار المتوقعة للانفتاح:
أثارت جولة الأورغواي الأخيرة، و
النتائج و القرارات التي ترتبت عليها،
الكثير من الجدل و نقاط الخلاف بخصوص الآثار
و الانعكاسات المحتملة على اقتصاديات الكثير
من بلدان العالم. و قد تباينت الآراء بخصوص
مدى تأثير الاتفاقية العامة للتجارة في
الخدمات في اقتصاديات الدول النامية، حيث
يتوقع، لتحرير تجارة الخدمات، و انفتاح
أسواقنا المحلية على الأسواق الخارجية، أن
يحمل العديد من الآثار، بعضها إيجابي، و
بعضها الآخر سلبي، يمكن إجمالها على النحو
الآتي:
أولا:الآثار الإيجابية للانفتاح:
1-
تحرير القطاع المالي من القيود المفروضة
عليه، الأمر الذي سينعكس إيجابيا على
كفايته.
2-
خلق الحوافز للقيام بإصلاح هياكل المؤسسات
المالية، و تسهيل قيام هذه المؤسسات بتقديم
خدمات مالية شاملة.
3-
خلق فرص الانطلاق للأسواق الخارجية، و تدعيم
التواجد المالي خارجيا.
4-
التكيف مع متطلبات المنافسة على مستوى
الكفايات و التكاليف، و زيادة كفاية أسواقنا
المالية، و فعاليتها.
5-
زيادة مصداقية الأردن أمام المستثمرين
الأجانب، و تهيئة المناخ المناسب لجذب
الاستثمارات الأجنبية من خلال دخول مؤسسات
أجنبية تتمتع بكفاية عالية.
6-
خلق فرص للاستفادة من رؤوس الأموال
المهاجرة، التي ستشعر بالمزيد من الاطمئنان
في ظل مناخ الانفتاح.
7-
عدم إغلاق الطريق أمام التعاون الإقليمي، و
بقاء مجالات التعاون العربي الخاص مفتوحة و
متاحة، مع ما يخلقه ذلك من إمكانيات قيام
تكتلات اقتصادية عربية تكون أقدر على
الاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير.
8-
ستؤدي إلى فتح إجباري للحدود بين الدول
العربية من خلال التزاماتها بموجب
الاتفاقيات التي ستوقع مع أطراف أخرى.
9-
إعادة هيكلة المؤسسات المالية على أسس
مختلفة عن الماضي، حيث ستكون أقدر على
المنافسة.
ثانيا: الآثار السلبية للانفتاح:
1-
منافسة غير متكافئة مع منافسين أقوياء
يتمتعون بمزايا نسبية مرتفعة في الموارد
المادية، و البشرية، و التكنولوجيا.
2-
احتمال قيام المؤسسات الأجنبية بتجميع
المدخرات الوطنية، و توجيهها لخدمة
استثمارات أخرى في بلدانها الأصلية، و ذلك
بالنظر إلى وجود فرص أكثر جاذبية
و أقل مخاطر في تلك البلدان.
3-
فتح قنوات مشروعة لتسرب المدخرات المحلية
لصالح استثمارات أجنبية.
4-
التأثير في كفاية السياسات النقدية المتبعة
بسبب مناخ الحرية الذي سيمنح للمؤسسات
المالية.
إستراتيجية مواجهة تحدي الانفتاح:
ينطلق الاهتمام بالخدمات من الدور
الذي أصبحت القطاعات الخدمية تلعبه،و مقدار
مساهمتها في توليد الدخل القومي. ففي اقتصاد
مثل الاقتصاد الأردني، يشكل قطاع الخدمات
فيه، باستثناء قطاع الخدمات الحكومية
باعتبارها غير مشمولة بعملية التحرير التي
تتحدث عنها الاتفاقية، ما نسبته
42.9%
من الإجمالي، الأمر الذي يعزز من أهمية دور
قطاعات الخدمات في الاقتصاد القومي، و ضرورة
توافر المناخ المناسب له حتى لا يكون عرضة
لمنافسة قوية غير قادر على مواجهتها أو غير
عادلة.
و في هذا المجال، فإنني أرى أن يأخذ
الموقف التفاوضي الأردني بعين الاعتبار
تفادي السيطرة على هذا القطاع، و أهميته في
تشغيل العمالة الأردنية دون تجاهل إمكانية
الاستفادة من الخبرة الأجنبية من خلال
السماح بتشغيل نسبة معينة من الأجانب. لذا،
يجب الإصرار على الاحتفاظ بالسيطرة على
عملية اتخاذ القرار من خلال قصر المشاركة
الأجنبية في القطاعات المهمة للخدمات على
49%
، مع أمكانية التنازل عن
هذا الشرط في بعض الحالات، أو القطاعات،
كقطاع السياحة، الذي نستطيع أن نكون فيه
أكثر انفتاحا و تشجيعا لرأس المال الأجنبي
لتحفيزه على القدوم إلى الأردن لامتلاك
المشاريع السياحية و إدارتها.
أما بالنسبة للقطاع المصرفي، فلا يعتقد
بأن هذا القطاع، بكامل مؤسساته، سيكون قادرا
على مواجهة المنافسة الأجنبية في حالة
انفتاحه على الخارج، و ذلك بسبب صغر حجم
الوحدات المصرفية العاملة فيه، و ضآلة
مواردها المالية الذاتية و الكلية، و
محدودية مواردها البشرية، و عدم مقدرتها على
الإنفاق الواسع في مجالات التدريب و
التكنولوجيا. لذا، فإن الالتزامات التي يمكن
أن نقدمها في هذا المجال يجب أن تبقى
محدودة، خاصة في مجال تملك المؤسسات المالية
و إدارتها، و مجال المشاركة في المنتجات
المالية الأخرى، مثل شركات الوساطة المالية،
و إدارة الأصول، وتملك الأسهم والسندات،
والمتاجرة بها، وإدارة صناديق الاستثمار
المشترك، و تفرع المؤسسات الأجنبية في
الأردن، و نسبة ملكيتها للمؤسسات الأردنية،
و أن يسمح في المراحل الانتقالية بدخول
الخبرات التي تفتقر إليها السوق الأردنية و
التي يمكن أن تساعد على تطوير السوق
المحلية. و هنا لا بد من التأكيد على إلا
نتحرج من الاستثناءات، فقد لجأ إليها الكثير
من الدول، و كان أول من لجأ إلى ذلك أمريكا،
و العديد من دول أوروبا.
و في الختام، يرجى ألا يفهم أن هذه
الورقة تدعو هنا إلى مقاومة توجهات
الانفتاح، فهذا توجه عالمي، و الخروج عنه
سيجعل البلد خارج الدائرة التي تشتمل على ما
لا يقل عن
85%
من الاقتصاد العالمي.لكن الدعوة هنا إلى
إستراتيجية شاملة تعمل على تعظيم مكاسب
الانفتاح المالي، حيث يمكن لهذه
الإستراتيجية أن تبدأ من خلال تبني صيغة
لتطوير العلاقة المالية على أساس عربي،
يتبادل من خلالها ميزات، غير مجبرين على
تقديمها للدول خارج النطاق العربي، إلى جانب
إعادة ترتيب البيئة المصرفية داخليا من حيث
تكوين وحدات مصرفية أكبر، و إدارة أكفأ، و
استخدام تكنولوجيا أكثر تطورا.
مثل هذا سيؤدي إلى إقامة قاعدة قوية
تستند عليها المصارف الأردنية و العربية في
مواجهتها للمنافسة القادمة. و المتطلبات
المسبقة لمثل هذا التوجه هي:
1-
تعزيز الموارد الذاتية للمؤسسات المالية، و
تكوين وحدات كبيرة منها من خلال عمليات
اندماج طوعية، و هو اتجاه يشجعه المصرف
المركزي من خلال حوافز و مزايا تشجيعية يتم
منحها للمصارف المندمجة.
2-
إعادة النظر في التشريعات الرقابية، و
التنظيمية المتعلقة بالأعمال المصرفية في
المملكة.
3-
خلق الكفايات، و القيادات الإدارية القادرة
على مواجهة تحدي الانفتاح و آفاقه.
4-
تطوير السوق النقدية، و الرأسمالية، و
تزويدها بمخزون كاف من الأدوات.
5-
الاستثمار المكثف في تكنولوجيا الاتصال و
المعلومات.
6-
إدخال المنتجات المصرفية الحديثة، و التوسع
في استخدامها.
و خلاصة القول أن التوجه العالمي نحو
التحرر و التكامل الاقتصادي توجه شامل لا بد
من مسايرته، و لكن بالحد الأدنى من الضرر،
لأن الانفتاح القادم سيكون له الكثير من
الآثار السلبية التي ستؤثر بشدة في
اقتصاديات الدول النامية ذات الحجم الصغير،
و القدرة الأقل على منافسة اقتصاديات الدول
المتقدمة ذات الحجم الكبير، و القدرة الأكبر
على المنافسة.