التعاون الاقتصادي العربي
بين القطرية و العولمة
ورقة ألقيت خلال ندوة
"التعاون الاقتصادي العربي بين القطرية و
العولمة"
عقدت في مقر منتدى الفكر العربي تحت رعاية
جمعية رجال الأعمال الأردنيين، منتدى الفكر
العربي
و مؤسسة عبد الحميد شومان
عمان – الأردن
14-1999/4/15
المقدمة
بداية، أتوجه بكل الشكر و التقدير
لمنتدى الفكر العربي، وجمعية رجال الأعمال
الأردنيين، و مؤسسة عبد الحميد شومان على
دعوتهم لي للمشاركة في هذه الحلقة النقاشية
حول موضوع التعاون الاقتصادي العربي بين
القطرية و العولمة، كما أتوجه بالشكر و
التقدير للأستاذ/ عبد المالك الحمر لإدارته
و رئاسته جلسة النقاش هذه.
لقد أفرزت ظاهرة العولمة تركيزا شديدا
في القوى الاقتصادية، و أخذت هذه القوى تحكم
سيطرتها على الاقتصاد العالمي، و تفرض عليه
أنماطها، و تعيد صياغة قواعد التعامل الدولي
و الداخلي حسب مفاهيمها القائمة على البقاء
للأفضل، شعوبا و منتجات. هذا الموقف يزرع
الخوف حول مصيرنا في العالم العربي، هل
نتعلم من التاريخ، أو سيكتب علينا إعادة
قراءته لاستخلاص العبر مرة أخرى، لكن بعد
فوات الأوان.
إنني أتفق مع من يقولون بأننا سنواجه
وضعا مرعبا في عالمنا العربي، إذا لم نسارع
بتعديل اتجاه مسارنا نحو عمل عربي مشترك،
يهدف إلى تحقيق تنمية شاملة و مطردة، و يأخذ
بعين الاعتبار أن المنافسة و القدرة على
مواجهتها هي عنوان المرحلة القادمة، و أن
القوى التفاوضية تنتقل الآن من الحكومات إلى
قطاع الأعمال.
إن الحاجة الشديدة إلى عمل عربي مشترك
يهدف إلى تحرير العلاقات الاقتصادية بين
الأقطار العربية من كافة القيود و أشكال
الحماية، كضرورة ملحة للبقاء في عالم يموج
بتحولات اقتصادية متسارعة، و تكتلات إقليمية
فاعلة، و عولمة، و تحرير لا حدود لهما. فقد
أدى تغير نظم التبادل التجاري العالمي، و
صعود منظمة التجارة العالمية كهيئة مؤثرة و
منظمة في هذا المجال، إلى جانب تراجع منهاج
الاقتصاديات الموجهة، إلى تنامي القناعة لدى
شعوب الأمة العربية و حكامها بضرورة قيام
السوق العربية المشتركة، كمقدمة لوحدة
سياسية قادرة على مواجهة المتغيرات العالمية
الكاسحة.
و قبل الاستطراد في هذا المجال، قد تكون
إشارة سريعة إلى الواقع الحالي لعالمنا
العربي فيها بعض الفائدة.
الواقع العربي الحالي:
باستعراض سريع للواقع العربي بالحقائق
و الأرقام، نجد أنه بعيدا جدا عن لون الورد.
فالعالم العربي يتوزع على(22) دولة، معظمها
يتكون من وحدات سكانية صغيرة، معدل عدد سكان
عشرة أقطار منها يقل عن خمسة ملايين نسمة.
أما عدد سكانه جميعا، فيصل إلى 264 مليون
نسمة، و ناتجه المحلي الإجمالي لعام 1997
بحدود 600 بليون دولار، يبلغ متوسط نصيب
الفرد منه بحدود 2269 دولارا، مع تفاوت كبير
من دولة لأخرى، حيث يصل هذا المعدل إلى 19
ألف دولار في بعض الدول، مقابل أقل من 500
دولار في بعضها الآخر، و يعاني ما يزيد على
40%
من هؤلاء السكان من الأمية، إلى جانب
البطالة، بأشكالها السافرة و المقنعة، التي
تهدر طاقة جزء من سكان هذه الأمة.
فلأرقام، التي آمل أن لا تضيف صدمة
للمستمعين، تشير إلى أن الناتج المحلي
الإجمالي لدولة مثل الدانمارك، التي يعادل
سكانها
2%
فقط من سكان العالم العربي، يمثل تقريبا
30%
من الناتج المحلي
الإجمالي للعالم العربي، و دخل الفرد يزيد
عندهم على دخل (15) فردا عربيا معا. أما
ألمانيا التي يعادل سكانها
30%
من الناتج المحلي الإجمالي للعالم العربي
فإن ناتجها المحلي الإجمالي يعادل (350%
) من الناتج المحلي الإجمالي للعالم العربي.
أما إسرائيل، التي يشكل عدد سكانها
2%
من سكان العالم العربي، فإن ناتجها المحلي
الإجمالي يعادل (17%
) من مجمل الناتج المحلي للعالم العربي. أما
حال مصارفنا، فهو لا يختلف كثيرا عن واقعنا
الاقتصادي.فالميزانية العامة للمصارف مجتمعة
تقارب ميزانية مصرف
Chas Manhattan،
و تقل قليلا عن ميزانية
Deutsche Bank.
هذا عدا عن حصتنا المتواضعة في التراكم
المعرفين و استعمال التكنولوجيا، و الإنفاق
على البحث العلمي.
إن فكر العمل العربي المشترك كان سباقا
على معظم تجارب العالم في هذا المجال، لكن
السياسات القطرية أجهضته، و حالت دوت تقدمه.
فبرغم إقرار جامعة الدول العربية لاتفاقية
الوحدة الاقتصادية بين دولها الأعضاء في عام
1957، و دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في عام
1964، و قيام مجلس الوحدة الاقتصادية
العربية، و قرار إقامة السوق العربية
المشتركة، و تحقيق تلك السوق لنجاح ملحوظ في
مجال تعزيز التبادل التجاري البيني، خلال
سنوات الستينات و بداية السبعينات، إلا أن
هذه التجربة تعرضت لنكسات و سلبيات عديدة،
أدت إلى تعطيل مؤسسات العمل العربي المشترك،
و تدهور معدلات التجارة البينية، و تراجع
عملية التكامل الاقتصادي العربي.
تعاني الاقتصاديات القطرية العربية
جميعها دون استثناء من خلل هيكلي، فكان أن
اتجه العديد منها إلى تطبيق برامج إصلاحية
هيكلية، أدت في معظم حالاتها، خاصة خلال
عقدي الثمانينات و التسعينات، إلى تراجع حصة
الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، و زيادة
معدلات البطالة، و تفاقم مشكلة المديونية
الخارجية، لدرجة أثقلت كاهل اقتصاد معظم
الأقطار العربية باستثناءات محدودة جدا.
هذا، و لا يتوقع للمستقبل أن يكون أفضل
من ذلك كثيرا، حيث لا يتوقع أن يزيد معدل
النمو في الناتج المحلي الإجمالي للعالم
العربي بالأسعار التجارية عن
3.6%
سنويا على المتوسط،
الأمر الذي سيؤدي إلى تحسن في نصيب الفرد
منه بمعدل
1.3%
سنويا، و معدل الاستهلاك الكلي بنسبة
1.1%
سنويا.
معوقات التقدم:
لقد ناقش العديد من كتابنا الاقتصاديين
مجموعة من الأوهام، التي تسيطر على تفكيرنا
في العالم العربي، و تحد من قدرتنا على
المحاكمة الموضوعية لمشاكلنا، و التسليم
بمقولات و معطيات تقعد بعضهم عن العمل
الإيجابي في التعامل مع هذه المشكلات. و مع
تقديري لوجهة النظر القائلة بوجود مؤامرة
على عالمنا العربي تستهدف إبقاءه في حالة
تخلف اقتصادي واسعة، إلا أنني أختلف معها في
أن تلك المؤامرة لا تقتصر على العالم العربي
وحده، بل تمتد لتشمل العديد من الدول و
الأمم في العالم أجمع. و ربما الإشارة إلى
منهجية عمل أمريكية قد تعزز من وجهة النظر
القائلة بوجود تلك المؤامرة، و هذه المنهجية
هي:
أ- إضعاف
الدولة الوطنية لتسهيل سيطرة الشركات
المتعددة الجنسيات على أنشطة متعددة في هذه
البلدان.
ب- تسهيل عملية الاختراق الثقافي، و
التبشير بنمط حياتي معين.
ج- المنافسة الشرسة للإنتاج المحلي من
منطلق البقاء للأفضل.
و عندما ننتقل إلى عالمنا العربي بالحديث في
هذا المجال، نرى:
أ- خلق إسرائيل، و المحافظة على تفوقها
المطلق على العالم العربي.
ب- التقسيم الجغرافي
المتداخل لبعض مناطق العالم العربي، و الذي
يشكل مصدر إثارة لحزازات مستمرة.
ج- حرب الخليج الأولى و الثانية، و
الحصار الاقتصادي المفروض على العراق و
ليبيا،
و ما يتعرض له السودان و الشعب الفلسطيني.
د- عملية التهميش المتزايدة من دول
الشمال لدول الجنوب التي نقع ضمن نطاقها.
و أخيرا، المؤامرة الكبرى على الثروة
العربية التي كانت سرعة تبديدها أعلى بكثير
من سرعة توليدها. لقد أسقطوا نظرية نهاية
التاريخ(لفوكوياما) بسرعة، و طغت عليها
نظرية صراع الحضارات، و بشكل خاص الصراع مع
الحضارة الإسلامية، و الصدام معها.
خيارات التعاون الاقتصادي العربي:
تقوم التنمية على مجموعة من الركائز
الأساسية، أهمها سوق كبيرة، و علم، و
تكنولوجيا، و استقرار سياسي. هذا، و من
الصعب توافر تلك الركائز و المقومات في ظل
غياب منظومة عمل عربي مشترك، يقوم على زيادة
الإنتاج، و ارتفاع إنتاجية العامل، و توفر
المعلومات عن المنتجات، و الأسواق، و العمل
التدريجي لتحقيق هدف التنسيق و التكامل.
إن إقامة منطقة للتجارة الحرة العربية
الكبرى منذ مطلع عام 1998هي فكرة من لا
يرغبون الالتزام بمرحلة أعلى من مراحل
التكامل الاقتصادي العربي، لأنها، لدى
بعضهم، قد تكون نهاية المطاف، هذا إذا
افترضنا بأنها طبقت من قبل الجميع بحسن نية.
و مع تشديدي على ضرورة قيام العرب
بتنفيذ مشروع قومي متكامل لتحقيق أسباب
القوة العربية بجميع جوانبها، و ذلك بهدف
دعم الموقف العربي تجاه التحديات المعاصرة،
و إيجاد الحلول اللازمة لمواجهة مشكلات
العالم الاقتصادية، أجد بأن الخيار
الاقتصادي العربي هو الأمر الأكثر ضرورة.
فسوق عربية مشتركة، على سبيل المثال، ستخلق
المجال للعديد من الصناعات على مستوى العالم
العربي، كما ستعزز المركز التفاوضي تجاه
الكتل و التجمعات الاقتصادية الإقليمية
الأخرى، و المؤسسات الدولية.
و سيعني خلق تعاون عربي مشترك، إقامة
سوق ضخمة ذات موارد طبيعية متنوعة تقترب في
عدد سكانها من الاتحاد الأوروبي، و لكن
بناتج محلي إجمالي سنوي يصل إلى 600 بليون
دولار( 6900 بليون دولار لدول الاتحاد
الأوروبي)، إلى جانب ارتفاع قدرته على إقامة
وحدات إنتاجية ضخمة تكون قادرة على
الاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير. أضف
إلى ذلك، أنه سيكون بمقدور تكتل اقتصادي
عربي الاستفادة من بعض الميزات التي توفرها
اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، و
المتمثلة في إمكانية تبادل الميزات
التفاضلية في ما بين الدول أعضاء التكتل دون
منحها لدول أخرى خارجه. لكن يبقى السؤال
دائما: من أين نبدأ؟ لقد بدأنا عدة مرات، و
من عدة منطلقات، فما العمل إذن، مع عدم
التسليم باليأس؟
إخفاق تجارب التعاون الاقتصادي العربي:
إن معرفة الأسباب التي أدت إلى إخفاق
التجارب السابقة في مجال التعاون الاقتصادي
العربي، هي نقطة البداية لتحقيق وحدة عربية
اقتصادية مشتركة. إن التاريخ يرد على الذين
يقولون بأن إخفاق التعاون الاقتصادي العربي
يعود لأسباب تتعلق بضعف التنمية الاقتصادية
العربية، و بالتالي ضعف الطاقات الإنتاجية،
و عدم وجود إنتاج كبير ليتم تبادله،
بالإضافة إلى تجانس البيئة الصناعية، الأمر
الذي يشكل أحد معوقات توسيع التجارة بين
العرب كنسبة لتجارتهم الكلية، و هذا كلام
غير مقنع.
فقد كان هناك تبادل تجاري كبير نسبيا
بين العرب من جهة، و الدول الصناعية
المتقدمة من جهة أخرى، و هو تبادل اقترب من
100 مليون دولار. ففي القرن الثامن عشر
مثلا، و بالرغم من أن الإنتاج العربي كان
أقل بكثير مما هو عليه الآن، كانت نسبة
التجارة العربية مرتفعة، حيث يشير
Roger Owen
في كتابه
The Middle East in the World Economy،
(1800-1914)،
إلى أنه " في حين كانت صادرات
مصر إلى سوريا في سنة 1750ما بين
500-800 ألف ليرة ذهبية، فإن صادراتها
لفرنسا (كانت من أهم الدول الأوروبية تجارة
مع المنطقة) كانت فقط 100 ألف ليرة ذهبية. و
في سنة 1783، كانت قيمة الصادرات المصرية
لأوروبا حوالي 14 مليون ليرة ذهبية، في حين
كانت صادراتها لمدينة جدة وحدها 34 مليون
ليرة ذهبية.
حدث مثل هذا لأن البلدان العربية كانت
تشكل وحدة اقتصادية واحدة لا توجد بينها
حواجز جمركية، أو إدارية، أو نقدية، تعيق
انتقال السلع، أو الأفراد، أو رؤوس الأموال،
إلى جانب تقارب مستوى التنمية الاقتصادية في
البلدان العربية. و ما اقتصار التجارة
العربية البينية الآن على
9%
إلا نتيجة لوجود الحواجز الجمركية، و
الإدارية، و النقدية، و عقبات انتقال
الأفراد
و رؤوس الأموال، و تفاوت مستوى التنمية، إلى
جانب الحواجز السياسية، و النزعات
الإقليمية.
لقد أخفقت التجارب العربية السابقة في
مجال إيجاد تكامل اقتصادي مشترك لأسباب
عديدة، هي:
أ-
غياب الإرادة السياسية، و اختلاف النظم
السياسية.
ب-
عدم فعالية المواثيق و الالتزامات العربية.
ج-
انعكاس فوري للخلافات السياسية على العلاقات
الاقتصادية.
د-
غياب المصالح الشعبية، و الضغوط الخارجية.
ه-
ضعف الإعداد الفني.
و-
الإفراط في الحماية و التنمية القطرية
المستقلة.
ي-
دخول الدولة في النشاط الاقتصادي، و سيطرتها
عليه و توجيهه.
ك-
سياسة استبدال و إحلال المستوردات.
مقومات نجاح الوحدة الاقتصادية العربية:
لقد عجزنا عن بناء العالم العربي على
أساس قومي، بسبب تنامي النزعة الإقليمية.
فلنعمل الآن على إعادة بناء المجتمع العربي
على أساس المنفعة و المصلحة المتبادلة، حيث
تحظى مثل هذه النظرة الواقعية بفرص كبيرة من
النجاح، خاصة مع تعاظم مشكلات الدولة
القطرية السياسية، و الاجتماعية، و
الاقتصادية، و الأمنية، و الغذائية.
و مثل هذا التوجه يقتضي تقديم تنازلات
جماعية من مختلف الأطراف، في إطار توازنات
محسوبة تحفظ للدولة القطرية حدا مناسبا من
الاستقلالية، داخل نظام عربي مبني على
المصلحة المشتركة.
فقد اخبرنا التاريخ بأن المصالح
المشتركة هي التي تؤدي إلى تعاون ينتهي بنوع
من الوحدة الاقتصادية و السياسية. فألمانيا
اتحدت أولا على أساس مصالح اقتصادية، و
انتهت بوحدة سياسية. و كذلك السوق الأوروبية
المشتركة، بدأت على مصالح اقتصادية، و تطورت
إلى مصالح سياسية. و عندنا في العالم
العربي، كانت الدوافع الأولية سياسية، فكانت
النتائج معاكسة، لأن البداية لم تكن كما
بدأت في الدول الأخرى.
و من قبيل الموازنة بين تجربة عربية
مخفقة، و تجربة الاتحاد الأوروبي، نجد أن
الفارق الأساسي بين مشروع الوحدة الاقتصادية
العربية، و مشروع الوحدة الأوروبية، أن
الأول تأسس على خلفية من وحدة العقيدة، و
اللغة، و التاريخ المشترك، أما الثاني فقد
تأسس على خلفية المصلحة الاقتصادية. و مع
ذلك، نجح الثاني و أخفق الأول، برغم أهمية
العناصر التي قام عليها. لقد أخفق الأول
بشكل رئيس نتيجة غياب الإرادة السياسية،
بينما نجح الثاني بسبب وجودها.
إن عدم تحقق الإرادة السياسية العربية
يعود إلى:
أ-
غياب الديمقراطية، و بالتالي عدم قدرة فئات
المجتمع على التعبير الحر عن رغباتها
و مصالحها، الأمر الذي أدى إلى احتكار
القرار من قبل النخب الحاكمة.
ب-
الربط الذي تم بين الدول التي كانت تستعمر
المنطقة، و الدول التي كانت تستعمرها،
و الذي قام على تعزيز مصالح هذه الدول.
ج-
تراجع المد القومي بعد نهاية الستينات،
الأمر الذي عزز من مكانة الدولة القطرية
سياسيا، و اقتصاديا، و دوليا، و اجتماعيا.
د-
تبني الاتجاهات الاشتراكية، و ما انتهت إليه
من سيطرة الدولة، عن طريق القطاع العام، على
النشاط الاقتصادي.
إن الإرادة السياسية شيء يمكن أن يتوفر
لو أن هناك ديمقراطية حقيقية في العالم
العربي،و سيكون بعدها التعاون، عندما يتحقق،
أقوى و أمتن من التعاون الأوروبي، لافتقار
الأخير إلى وحدة اللغة، و الثقافة، و
التاريخ.
باختصار، إن انسحاب الدولة من العمل
الاقتصادي، و توسيع دور القطاع الخاص،و
التوجه القوي نحو اقتصاديات السوق، و تنامي
القدرات الإنتاجية العربية، و ضيق الأسواق
المحلية بها، قد عزز من فرص التعاون العربي،
و جعلها أوفر حظا مما كانت عليه في الماضي،
لأن من مصلحة المنتجين أن يفتحوا أسواقا
أوسع لمنتجاتهم.
و يبقى أن يقرر السياسيون بإخلاص
التجاوب مع هذه الرغبات، ضمن ضوابط فيها من
الإرادة و الإلزام ما يكفي لإنجاحها. إن
بناء قوة اقتصادية حاجة ملحة و منفعة آنية،
لأنها ستخلق كتلة عربية قادرة على تبادل
المزايا و المنافع في ظل عولمة طاغية.
و أنهي حديثي بالقول بأن العالم العربي
يعيش موجة قلق عارم لما ستؤول إليه أوضاع
أمته الممزقة، في ضوء التغيرات المستقبلية
السريعة، خاصة و أننا نحن العرب الذين دفعنا
ثمنا باهضا نتيجة تغيرات القرن العشرين و
تبدلاته السياسية، و الاقتصادية، و
الاجتماعية،و الثقافية، فضاعت منا الفرص
القومية و الحضارية بسبب ما واجهنا من
تحديات خارجية،و بسبب ما خلقنا لأنفسنا من
أزمات، و تناقضات، و صراعات داخلية.
في ظل وضع لا يمكن فيه أن ننعزل عن
العالم، أو ننكمش فيه على أنفسنا، علينا
مجابهة التحديات الجديدة التي ستفرضها
العولمة من خلال تعاون اقتصادي فعال، و
تنمية فكرية،
و تعددية، و ممارسة للديمقراطية، و الإيمان
بالثوابت المدنية.