الصناعة المصرفية
على أبواب القرن الحادي و العشرين
" حالة الأردن"
محاضرة ألقيت على
طلبة كلية الاقتصاد و العلوم الإدارية
الجامعة الهاشمية
عمان – الأردن
في 22/5/1999
المقدمة
منذ عشرين عاما، و الصناعة المصرفية
تعيش فترة تغيرات شاملة تركت آثارا واضحة
على طبيعة النشاط المصرفي، و طريقة تقديم
المصارف لخدماتها، و قد كانت العولمة، و
التحرر من القيود، و تقلص الحاجة لدور
الوساطة المالية، و ظهور العديد من
المنافسين، بالإضافة إلى ثورة المعلومات و
الاتصالات، عوامل عملت معا لإحداث تغير كاسح
في هذه الصناعة.
لقد شملت التغيرات الهائلة، التي
شهدتها الصناعة المصرفية، مختلف جوانب
الصناعة المالية، فقد تزايدت المنتجات، و
تحررت خدماتها المالية، و انفتحت الأسواق
العالمية و زادت المساحة التي تبيع فيها
المؤسسات المالية منتجاتها محليا و عالميا.
و قد أدى ذلك إلى زيادة حدة المنافسة، و
ظهور الحاجة إلى اندماج المؤسسات صغيرة
الحجم لأجل خلق وحدات مالية
و مصرفية أكبر، و أكثر قدرة على البقاء في
أسواق أصبحت تتصف الآن بالإقليمية و
العالمية.
و على الرغم من كل الجهود المبذولة في
إحداث التغيير، نجد الصناعة المصرفية، و هي
على أبواب القرن الحادي و العشرين، في بداية
طريق طويل من التغير و التطور، و ما زال
عليها أن تستثمر الكثير من الجهد و المال في
التكنولوجيا، و تأهيل الكوادر البشرية،
لتبقى قادرة على المنافسة و الاستمرار.
في هذه الورقة، سأحاول أن أتناول
مستقبل الصناعة المصرفية، و هي على أبواب
قرن جديد. و سأبدأ هذه الورقة بالإشارة إلى
التوجهات العالمية و الإقليمية نحو العولمة
و الانفتاح،
و ما نجم عنهما من تطورات، شملت مختلف جوانب
الصناعة المالية. لكن قبل أن أختمها،
سأتناول واقع القطاع المصرفي الأردني، و
تحدياته أيضا.
نظرة تاريخية:
من المنظور التاريخي، يمكن رصد ثلاث
مراحل من التطور مرت بها الصناعة المصرفية
خلال النصف الثاني من القرن الحالي، و هي:
** مرحلة الستينيات و السبعينيات:
تميزت هذه الفترة بتحصن الصناعة
المصرفية، و تمترسها خلف حدود جغرافية محمية بالأنظمة و القوانين، التي
كانت تحد من المنافسة، و تخلق مناخ شبه
احتكاري.
و قد تمكنت المصارف خلال هذه
الحقبة من تحقيق عوائد متزايدة بسبب:
- ارتفاع الهوامش الربحية، حيث
كانت المصارف تتقاضى على قروضها هوامش مجزية، حتى من كبار العملاء،
مقابل هوامش تصل إلى (30) نقاط في هذه
الأيام.
- ارتفاع نسبة ودائع الطلب ذات
الكلفة المنخفضة ضمن موارد المصارف، حيث
كانت ودائع الطلب للشركات الكبرى تشكل حوالي
(30%)
من القروض، مقابل (5%)هذه
الأيام.
** مرحلة الثمانينات:
تميزت هذه الفترة بتراجع الوساطة المالية،
و هي الفلسفة الأساسية التي قامت عليها
فكرة المصارف، نتيجة موجه من التحرر المالي
العارم، و التي أدت إلى دخول منافسين جدد على جانبي الموجودات
و المطلوبات.
فعلى جانب الطلب، حدث
الالتقاء المباشر بين المودعين و كبار
المقترضين، دون وساطة المصارف. و بسبب الكفاءة
المالية، التي أصبح يتمتع بها كبار
المقترضين، و بسبب الضعف الذي أصاب الهياكل
المالية للمصارف نتيجة لأزمة ديون الدول النامية، تمكن هؤلاء المقترضين من
التوجه مباشرة إلى المقرضين في الأسواق القصيرة،و المتوسطة، و الطويلة
الأجل.
و قد تمخضت هذه الحقبة عن
إعادة تعريف دور المصارف من دور المحتكر الفعلي لسوق الإقراض بجميع آجاله
إلى دور القائم بالإقراض الأقصر أجلا، و الإقراض الأكثر خطورة.
أما جانب العرض، فقد تأثر
بجوانب عديدة، منها:
- تزايد عدد المنافسين، بسبب دخول
المؤسسات المالية المختلفة مجال الإقراض،
الأمر الذي أثر في قدرة المصارف على تسعير
قروضها، بما يتناسب و درجة مخاطرها.
- تحول المودعين إلى مجالات استثمار
مباشرة، بدلا من الإيداع في المصارف.
- زيادة في كلفة مصادر التمويل بسبب
منافسة المقترضين و مديري الأصول على
أموال المودعين، الأمر الذي أدى في النهاية
إلى تراجع ربحية المصارف.
** فترة التسعينات:
دخلت الصناعة المصرفية هذه الحقبة،
و هي تقوم بنفس العمل الذي تعودت عليه، و هو ما توقعه العملاء منها، إنما
بطريقة أكثر تقدما. لكن فجأة، و تحت تأثير
العوامل التي أعادت صيغة الاقتصاد العالمي
بمجمله، ارتفعت توقعات العملاء بشكل كبير، و
كان على المصارف أن تقوم بقفزة مماثلة.
و في تطلع المصارف إلى الأمام،
أدركت بأن هناك حقائق جديدة و حقائق قديمة، جميعها حصيلة الانتشار التكنولوجي
الذي أزال الحدود بيت طرق مناولة المصارف
لخدماتها، و بين الصناعات، و بين
الأمم؛ هذه القوى معا أفقدت الصناعة
المصرفية ميزتها النسبية.
و قد كان هذا أول تغير أساسي
في طبيعة الصناعة المصرفية منذ (300)عام،
لأن أساس الحياة فيها انتقل من النقود
إلى المعلومات، و انتقلت المصارف من أساس
يقوم على العملية (Transaction)
إلى ثقافة البيع و التسويق، و التي أخذ ينظر
فيها إلى المصرف من حيث قدرته على إضافة قيمة
لعملائه. و لم يكن هذا التغيير الأساسي
الوحيد، بل تعدى ذلك إلى صلب العملية المصرفية
التقليدية، و هي طريقة تقديم الخدمة، حيث أن
ما تعودنا أن نعمله في الفروع فقط نستطيع
الآن القيام به من أي مكان في العالم، و أي
زمان.
و على الرغم من أن الصناعة
المصرفية بدأت هذه الحقبة بأرباح مرتفعة،
إلا أن ذلك لم يمنع توقعات التراجع المهمة في
ربحية المصارف في السنوات القادمة لأمرين
اثنين، الأول يتعلق بالموجودات، و الآخر
يتعلق بالمطلوبات.
فعلى جانب الموجودات، يتعرض
الائتمان المقدم من المصارف للتراجع. و قد
تأكد بأن ظاهرة التراجع هذه ليست أمرا
طارئا ناتجا عن تردد المصارف في الإقراض
بسبب خبراتها السيئة في أواخر
الثمانينات، بل كان نتيجة التقادم التدريجي
(Gradual
Obsolescence)
لدور المصارف في مجال الإقراض، و نتيجة
للمنافسة الشديدة من المصادر الأخرى.
أما على جانب المطلوبات، فتتعرض
المصارف أيضا لظاهرة تراجع قاعدة الودائع بسبب المنافسة التي تتعرض لها من
صناديق إدارة الموجودات.
عوامل
التغير في الصناعة المصرفية:
هناك مجموعتان من قوى التغير أثرت
بشدة في الصناعة المصرفية من خارج الصناعة
و داخلها. فمن الخارج، كانت التغيرات
الهيكلية في بنية الاقتصاد العالمي التي
شهدتها فترة الثمانينات و مطلع التسعينات، و
التي جاءت نتيجة عولمة الأسواق و التمويل، و
خلق كتل إقليمية مثل الاتحاد الأوروبي و
منظومة دول
NAFTA،
و بروز الاقتصاديات حديثة التصنيع في كل من
جنوب شرق آسيا و أمريكا اللاتينية، بالإضافة
إلى استعمال تكنولوجيا جديدة في تصميم
المنتجات و تصنيعها، فزادت حدة المنافسة،و
تنامي الضغط على الأسعار، و تعمقت الحاجة
إلى السرعة في تطوير المنتجات ذات دورة
الحياة القصيرة، فشكلت هذه العوامل في
مجملها ملامح النظام الاقتصادي العالمي
الجديد.
و قد كانت الصناعة المصرفية هي الأكثر
تأثرا بهذه التغيرات من بين مختلف القطاعات
الاقتصادية، لأنه، إلى جانب هذه الضغوط
العامة، تعرضت الصناعة المصرفية لمنافسة
أكثر حدة من تلك التي سادت القطاعات
الاقتصادية الأخرى، و ذلك بسبب التحرر من
القيود في الأنشطة و الأسعار.
أما من الداخل، فقد كانت البداية
عندما أطلقت
Merrill Lynch
في منتصف عام 1975
فكرة حساب" إدارة النقد "
Cash Management.
و في ذلك الحين، لم يكن عند المصرفيين
الرؤيا الكافية ليدركوا بأن هذا الأمر كان
بداية لفكرة عدم التوسط
Disintermediation،
التي غيرت وجهة الصناعة المصرفية.
و لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تلاها في
بداية الثمانينات إطلاق فكرة "التحرر من
القيود"
Deregulation،
الأمر الذي أضاف أيضا لحدة المنافسة من
مؤسسات جديدة، لم يكن يسمح لها بممارسة
أنشطة تمارسها المصارف.
هذا المناخ أجبر الصناعة المصرفية في
مختلف أنحاء العالم، و في دول العالم
الصناعي بشكل خاص، على تبني تغيرات جذرية
تشمل مختلف جوانبها. و كانت هذه التغيرات من
الأهمية بحيث تركت آثارا هامة على مختلف
مؤسسات الوساطة المالية(Financial
Intermediaries)،
و من الشمول بحيث تضمنت إدخال نظم معلومات و
اتصالات جديدة و تغييرات جذرية كبيرة في
هيكلة هذه المؤسسات. ليس هذا فحسب، بل أدى
التوسع في المنافسة في أسواق متحررة من
القيود إلى ظهور سلع و خدمات جديدة، كما أدى
إلى خلق مؤسسات مالية تتصف بكبر الحجم،
و اتساع الأسواق، و التركيز على بيع
المنتجات العديدة.
كما أدى المناخ نفسه أيضا إلى إحداث
تطورات جوهرية في أسلوب التمويل، حيث تزايدت
الأوراق المالية على حساب القروض التقليدية،
و اتسعت حرية تقديم الخدمات و تسعيرها،
و تحمل إدارة المخاطر، و انتقلت المصارف
العالمية الكبيرة من الأعمال التقليدية
المتمثلة بقبول الودائع و الإقراض إلى
التداول في الأوراق المالية، و صنع الأسواق،
و القيام بدور مصارف الاستثمار، و توفير
السيولة الاحتياطية، و تعزيز المراكز
الائتمانية الآخرين، و صاحب ذلك كله انتقال
بعض بنود الميزانية إلى خارجها، و امتداد
نشاط المصارف المحلية إلى العديد من الأسواق
الإقليمية و العالمية الأخرى.
لقد أدى الاستمرار في سياسات الانفتاح
و التحرر إلى تزايد مستمر في التحديات
و المصاعب التي تواجه الصناعة المصرفية في
الدول المتقدمة. و قد كان تنامي أهمية سوق
رأس المال، الأمر الأكثر بروزا، و ذلك بسبب
لتهديده الجدي لدور المصارف التقليدي في
الوساطة المالية. و لم تنجح أسواق رأس المال
في تطوير أدوات مالية بديلة لما تقدمه
المصارف فحسب، و إنما بكلفة أقل و كفاية
أعلى. و هذا الأمر وضع المصارف، مرة أخرى
أمام الحاجة لأن تكون قادرة على المنافسة
بفعالية، بالموازنة مع مؤسسات الوساطة
المالية، و تجاه الأسواق الرأسمالية، و أن
تكون قادرة على دخول حدود كلاهما.
و كنتيجة حتمية لكل ما تقدم، بدأت
الصناعة المصرفية حول العالم تفقد جزءا بعد
جزء من حصتها السوقية لمؤسسات الوساطة
المالية الأخرى، نتيجة لحدة المنافسة، و
للتغير في طبيعة عمل المصارف نفسها. مثل هذا
الوضع، قاد المصارف إلى التساؤل عن
مستقبلها، كما تجرأ البعض على القول بأن
فكرة الصيغة التقليدية للمصارف قد ماتت. و
عزز هذه الجرأة في القول، فقدان المصارف
للصفات التي سبق و ميزتها عن المؤسسات
المالية الأخرى، خاصة و أن النشاط الرئيس
لمؤسسة الوساطة المالية، الذي هو تحويل
الموجودات المالية من شكل إلى آخر، أصبح
يمارس من قبل العديد من مؤسسات الوساطة
المالية، لا المصارف وحدها. فالأوراق
التجارية(Commercial
Papers)،
أصبحت تصدر مباشرة دون وساطة، مقلصة بذلك
دور المصارف في مجال الإقراض القصير الأجل،
كما تولت مصارف الاستثمار الجزء الأكبر من
القروض الكبيرة و إصدارات الأسهم، و كذلك
بدأ منتجو السلع المعمرة يأخذون حصتهم من
الكعكة.
كرد فعل على هذه التطورات المتلاحقة،
بدأت المصارف بإعادة النظر في طرق المنافسة
التقليدية التي سارت عليها طويلا، كما قامت
بإعادة صياغة إستراتيجيتها، و إصلاح نظمها
الإدارية و التنظيمية، و تحسين أساليب
التسويق المتبعة فيها، إلى جانب التركيز على
إدارة المخاطر و تعزيز مراكزها المالية.
كما ركزت أيضا على الابتكار و الإبداع
المالي (Financial
Innovation).
لقد تفاوت رد فعل المؤسسات المصرفية
تجاه تحدي ظهور أسواق رأس المال، و تطويرها
لمنتجات مالية بديلة للمنتجات المصرفية
التقليدية. فبعض المصارف اختارت التركيز على
قطاع المفرق(Retail)،
و البعض اكتفى بدور جزئي في أسواق رأس
المال، و البعض الآخر تبع عولمة الأسواق و
بحث عن دور بينها، إما بمفرده، أو بالتآلف
مع آخرين.
هذا، و يلاحظ أن التطور في الصناعة
المصرفية كان نتيجة حدة المنافسة بالدرجة
الأولى،
و حصيلة لحاجة السوق و المستهلكين بالدرجة
الثانية. و منذ تراجع الحماية التي كانت
تتمتع بها المصارف، و الصناعة تعمل بأقصى
جهدها لمواجهة المنافسة القاسية من المؤسسات
غير المصرفية و من أداء بورصات الأسهم.
إن تحديات الأداء التي تواجه الصناعة
المصرفية كبيرة، و يمكن تعريفها من الناحية
الأساسية بأنها: الحاجة إلى مواجهة متطلبات
المنافسة في مجالات المنتجات، و الأسواق
الرأسمالية. فمن منظور الأسواق الرأسمالية،
يجب أن تحظى قدرة المصارف على خلق القيمة
لمساهميها بعناية كبيرة. أما العناية
الأكبر، فيجب أن توجه إلى محتويات المحفظة،
و استراتيجيات التكتل، و العلاقة مع
العملاء، لأن كل هذه النقاط معا تشكل فرصا
يجب أن تعطى العناية المطلقة في إدارتها.
عبر من الأسواق الأسبق في التطور:
للتدليل على أهمية التغير في الصناعة
المصرفية، سأشير إلى بعض إحصائيات التطور في
السوق المصرفية الأمريكية، ليس باعتباره
السوق الأكثر تطورا فحسب، و إنما الأهم أيضا
من حيث وفرة المعلومات، و الأسبق في مجال
التطور. و هنا أريد أن أشير بأن المدى
الزمني الذي أخذه التطور في السوق الأمريكية
سوف لن يكون نفسه في أي سوق في العالم اليوم
مهما كان مستوى تطورها، و ذلك بسبب سرعة
انتقال المعرفة عبر مختلف دول العالم، عدا
عن الحاجة الملحة للتغيير.
في مقالة لمجلة(Fortune)
بتاريخ 2/11/1995،
أشير إلى أن حصة ما كان موجودا في المصارف،
من إجمالي الموجودات المالية للمؤسسات
المالية الأمريكية في عام 1980، كانت
(45%)،
انخفضت إلى (32%)
في عام 1995.
كما بينت أن نسبة ما يودعه العملاء في
المصارف انخفض من (34%)
إلى (17%)
للفترة نفسها.
و في مصدر آخر، أشير إلى أن (90%)
من عمليات الوساطة المالية كانت في سنة
1910 تتم من خلال المصارف. أما في عام
1998، فقد انخفضت هذه النسبة إلى
(25%).
كذلك كان دخل مصرف
Chase Manhattan
من الفوائد في مطلع الثمانينات يشكل(80%)
من مجمل دخله، في حين تراجعت هذه النسبة في
عام 1998 إلى (52%)،
و ذلك لحساب الدخل من العمولات.
و في الوقت الذي لم يحدث فيه أية
اندماجات مهمة في سوقنا الأردني، باستثناء
حالة واحدة، تراجع عدد المؤسسات المالية في
الكثير من بلدان العالم، و زاد تركز الخدمات
المالية:
|
البلد |
عدد المؤسسات
المالية |
السنة |
الانخفاض لغاية
عام 1995 |
حصة المصارف
الخمسة الأكبر
من الأصول |
|
فنلندا |
631 |
1985 |
44% |
74% |
|
فرنسا |
1.033 |
1984 |
43% |
47% |
|
ألمانيا |
5.355 |
1980 |
35% |
17% |
|
بريطانيا |
598 |
1980 |
81% |
86% |
|
النرويج |
346 |
1980 |
57% |
58% |
ماذا عن المستقبل؟
ضمن الجهود الأخرى التي تبذلها الصناعة
المصرفية استعدادا لدخول القرن القادم، تشهد
المصارف موجه من الاندماجات المتواصلة،
لمواجهة المنافسة القادمة من كل الجهات،
سعيا وراء مجموعة من الميزات النسبية التي
تعزز مكانتها، مثل:
أ- التوفير في تكاليف الخدمات.
ب- توظيف ميزة الحجم لغرض حضور فعال
في الأسواق.
ج- استعادة القدرة على التسعير المربح
للخدمات.
د- زيادة الحصة السوقية، دون الخوض في
تجربة الأسواق الجديدة.
ه- تعزيز القدرة على تقديم خدمات
متكاملة للعملاء دفعة واحدة.
و- تركيز شديد على الدخل من العمولات(Free
Income)،
لتخفيف الاعتماد على الدخل من القروض التي يتذبذب الطلب
عليها حسب الدورات التجارية، إلى جانب تأثر
الدخل فيها بالقروض غير العاملة.
و يمكن اختصار ما تقدم، بأن الصناعة
المصرفية تشهد الآن تغيرا في توجهها
الاستراتيجي، فإعادة الهيكلة المسيطرة الآن
على الصناعة ستستمر حتى مطلع العقد القادم،
و بعدها نتوقع للتوجه الاستراتيجي أن يأخذ
منحنى جديدا مختلفا عن ذلك، إذ سيتم
الانتقال من التجمع (Consolidation)
لأجل البقاء إلى إعادة الهيكلة لأجل الأداء.
القطاع المصرفي الأردني:
في الوقت الذي يتراجع فيه دور المصارف
في الدول المتقدمة، بسبب منافسة المؤسسات
المالية الأخرى في مجالات الاستثمار و
التمويل، و توجه المقترضين المباشر إلى
المقرضين، ما زال الجهاز المصرفي الأردني
يحتل مكان الصدارة في هذه المجالات. فالقطاع
المصرفي الأردني هو المصدر الرئيس للائتمان
بسبب ضعف سوق رأس المال و مؤسساتها و
محدوديتها، و عدم قدرتها على توفير مصادر
تمويل للمستثمرين.
هذا التفرد الطويل في مجال تقديم
الائتمان، مكن الجهاز المصرفي الأردني من أن
يحقق نموا كميا و نوعيا، و جعل منه أحد أهم
القطاعات الاقتصادية في الأردن، و أكثرها
تقدما، من حيث معدلات النمو، و النشاط، و
مستوى التطور، و الاستخدام التكنولوجي و
المعلوماتي. و تبلغ مساهمة قطاع خدمات المال
و التأمين و العقارات و الأعمال ما نسبته
22.1%
من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار
الثابتة، و ذلك حسب أرقام عام 1998، و هذه
هي أعلى مساهمة من بين مختلف القطاعات
الاقتصادية الأخرى، الأمر الذي يعكس الأهمية
النسبية للقطاع المالي.
كانت المشكلة الرئيسة التي تواجه الجهاز
المالي الأردني، و ما زالت، هي التبعثر، لأن
السوق مقسمة إلى عدد من الوحدات الصغيرة
تعمل كل منها بصورة فردية، و مستقلة عن باقي
مؤسسات القطاع، كما أن بعضها محميا بقوانين
و امتيازات خاصة تبعده عن تيارات المنافسة.
و قد أثر هذا التبعثر سلبيا في مستوى كفاية
السوق و نمط المنافسة السائد، كما حد من
إمكانيات النمو للمؤسسات المالية. و هنا،
يشار إلى أن عملية إصلاح القطاع المالي، لا
بد و أن تؤدي إلى تغيير جذري في هيكل السوق
المالي، و تحسين وضع الصناعة، و جعلها أكثر
تنافسية و كفاية.
و على رغم ما أشرت إليه، نجح القطاع
المصرفي بكفاية نسبية في سد الفجوة بين
الادخارات قصيرة الأجل، و متطلبات التمويل
طويل الأجل. فقد ارتفع الرصيد القائم
للتسهيلات الائتمانية الممنوحة من قبل
المصارف التجارية من (20%)
من الناتج المحلي الإجمالي(GDP)
في عام 1970 إلى (82%)
من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1998. و
في مجال حشد المدخرات، نجحت المصارف في خفض
معدلات التفضيل النقدي بصورة متواصلة خلال
السنوات السابقة، و ذلك كما تشير إليه نسبة
ودائع التوفير و الأجل إلى الناتج المحلي
الإجمالي، و التي وصلت إلى (110%)
من الناتج الإجمالي، و إلى (96%)
من مجمل السيولة المحلية، و ذلك بنهاية عام
1998.
و تظهر المقارنة الإقليمية أن المصارف
الأردنية قامت بدور فعال في مجال حشد
المدخرات و الموارد المالية بكفاية أكثر من
المعدلات السائدة في العالم العربي.
فموجودات المصارف الأردنية تعادل ضعف
الناتج المحلي الإجمالي، و تعادل الودائع (136%)
من هذا الناتج، كما يمثل الائتمان المقدم
إلى القطاع الخاص (77.5%)
من الناتج نفسه. و بالموازنة، فإن الودائع
تعادل (51%)
من الناتج المحلي الإجمالي في العالم
العربي. أما إذا ما أخذنا بلدا (مثل تونس)
مقاربا للأردن في تطوره الاقتصادي، فإننا
نجد أن موجودات المصارف التجارية تشكل (75%)
من الناتج المحلي الإجمالي، و الودائع (37%)
منه. أما في لبنان فتشكل (135%)
، و مصر (70%).
أما من حيث الكثافة المصرفية(عدد
المصارف لكل عشرة آلاف مواطن)، فهي (0.4%)
في العالم العربي، مقابل (0.93%)
في الأردن، و (0.25%)
في مصر، و (0.82%)
في تونس.
و على الرغم من أن القطاع المصرفي
الأردني هو أعمق الآن من أي وقت مضى، إلا أن
صغر حجم الوحدات المصرفية ما زال يؤثر سلبيا
في تكلفة الإنتاج لدى المصارف،و في قدرتها
على زيادة الخيارات المتاحة للمدخرين،و
المستثمرين على حد سواء. كما أدى الازدحام
في سوق محدودة، بسبب المبالغة في التفرع،
إلى التأثير سلبيا على الهوامش الربحية.
و على رغم الحاجة الملحة إلى وجود
وحدات مصرفية أقل عددا و أكبر حجما، إلا أن
ضرورات الاندماج لم تلق بعد رد الفعل
المناسب، على الرغم من أنه سيكون من الصعب
على وحدات الجهاز المصرفي الأردني، خاصة
الصغيرة منها، الاستمرار في مثل هذا الوضع،
أو الاستفادة من المزايا التي تتيحها عملية
الانفتاح و التحرير التدريجي للقطاعات
المالية الدولية، كما لن يكون بمستطاع
العديد من هذه الوحدات العمل خارج الحدود
التي أخذت تنفتح أمام الجميع.
و أقصى ما يخشى على الجهاز المصرفي
الأردني، هو أن يكون مرد عدم استجابته
لعوامل التحدي المحيطة به هو شعورا خاطئا،
بأنه ما زال يعيش في ذهنية الحماية و احتكار
السوق التي تعود عليها لخمسين عاما مضت،
بينما تتعدد الأنظمة، و التشريعات،
والاتفاقيات التي تسمح للمؤسسات المالية
الأجنبية بتملك المؤسسات المالية الأردنية،
أو فتح فروع في الأردن، أو تقديم الخدمات
المالية من خارج الحدود، الأمر الذي سيشكل
تحديا حقيقيا، و منافسة جدية للمصارف
الأردنية، لم تعد العدة المناسبة لمواجهتها.
إعداد القطاع المصرفي للانفتاح:
لقد خضع القطاع المصرفي الأردني إلى
العديد من الإجراءات، والتنظيمات، و
التشريعات الهادفة إلى تعزيز قدراته
المالية، و توسيع عمله، و تنويع الخدمات
التي يقدمها. و قد توجهت جهود الإصلاح
الأولى نحو إعادة هيكلة القطاع، و إعادة
التوازن إليه من خلال تعزيز رؤوس أموال
مؤسساته، إلى جانب جهود كبيرة في تدريب
كوادره. و من ثم، توجهت الجهود الإصلاحية
نحو المناخ العام، حيث تم تحرير أسعار
الفائدة، كما تم تخفيف القيود المفروضة على
المصارف التجارية، لتمكينها من القيام بدور
واسع في الوساطة المالية، إلى جانب تطوير
الشروط القانونية و التشريعية الخاصة بإنشاء
صناديق الاستثمار.
لقد تمكنت الموجة الأولى للإصلاح، و
التي امتدت من عام 1989 و حتى عام 1998، من
تعزيز بنية الجهاز المصرفي، و إخضاعها
لرقابة محكمة. أما الموجة الثانية من
الإصلاح، فتهدف إلى زيادة كفاية السوق، و
تعزيز تنافسيتها،و ذلك تمهيدا لانفتاح أوسع
على الأسواق المالية العالمية. و ستركز
الإصلاحات المتوقعة خلال المستقبل القريب
على تعزيز البيئة القانونية، و تعزيز دور
الجهات الرقابية في الجهاز المصرفي، و سوق
رأس المال، و التأمين،
و التقاعد، رفعا لكفاية السوق، و تعزيزا
للمنافسة ضمن أطر عمل موحدة.
و يلاحظ بأن الإصلاح هذه المرة يمتاز
بشموليته، و يركز على توازن مساراته، سواء
في مجال الأدوات، أو المؤسسات، تجنبا لأي
اختلال قد يحدث بسبب عدم التوازن الشامل.
تحديات الجهاز المصرفي الأردني:
ما إن تجاوزت المصارف الأردنية أزمة
نوعية الأصول خلال فترة الثمانينات بالحد
الأدنى من الخسائر، حتى واجهتها تحديات
التحرر و الانفتاح، لكن بزخم مختلف، من حيث
الكم،
و النوع، و المخاطر، و المنتجات. لقد تحدثنا
الكثير عن هذه التحديات، و تحديات أخرى، مثل
ضآلة رؤوس أموالها( باستثناء البنك العربي)،
و التآكل المستمر في الهوامش الربحية، و نقص
الاستثمار في نظم المعلومات و الاتصالات، و
تطوير الكفايات الإدارية، و تنويع الخدمات
المصرفية و تطويرها.
لكن هنا، سأركز على تحدي المنافسة
الداخلية و الخارجية التي أخذ الجهاز
المصرفي الأردني يواجهها بجدية أكثر من أي
وقت مضى:
أ-
المنافسة الداخلية:
هذه حصيلة عدد الوحدات المصرفية، وتتخذ
هذه المنافسة شكل تخفيض الهوامش الربحية،
دون أن ترتد إلى معالجة المشكلات البنيوية
لدى الجهاز المصرفي، مثل محدودية المنتجات،
و استعمال ضيق للتكنولوجيا.
وستؤدي هذه المنافسة إلى الاستمرار في
تدهور ربحية المصارف بشكل عام،و الصغيرة
منها بشكل خاص، الأمر الذي قد يجبرها على
التوحد و الاندماج في نهاية المطاف.
و ضمن المنافسة المحلية، هناك منافسة
أخرى من المصارف الأجنبية العاملة في
الأردن، حيث تتمتع هذه المصارف بميزة الدعم
الفني و المعلوماتي من مراكزها الرئيسة، و
بشكل خاص
ANZ
وCitiBank،
و مصرف الشرق الأوسط، الأمر الذي يضعها في
موقف تنافسي أفضل على المدى المتوسط و
البعيد.
ب- المصدر الخارجي للمنافسة:
و ستأتي هذه المنافسة بشكل رئيس من مصارف
خارج الحدود استفادت، و ستستفيد، من مزايا الانفتاح، و التحرر، و مستحقات
الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية و
الشراكة
الأوروبية. و ستكون هذه المنافسة من مصارف
تمتلك موارد غير محدودة، مدعومة بمعرفة فنية
متقدمة، إلى جانب امتلاكها لأحدث النظم
المعلوماتية. وستتركز منافسة هذه المصارف على المشاريع الكبيرة و كبار المودعين
(High
Networth Individuals)،
و ستترك
المعاملات الصغيرة للمصارف المحلية.
الاستجابة لتحديات المنافسة:
في هذا الوقت الذي تقود فتها
احتياجات العملاء توجهات المصارف، و مسارات
التطور لديها، أصبحت عوامل النجاح في العمل
المصرفي تتحدد على النحو الآتي:
أ-
التركيز على القدرات البيعية و التسويقية، و
الاهتمام الشديد برغبات العملاء،
و أفضلياتهم.
ب-
البحث عن الائتلافات الإستراتيجية، للتعويض
عن نقاط الضعف الذاتية في بعض المنتجات، و
التركيز على التفوق في المجال الذي تتخصص
فيه المؤسسة.
ج-
إصلاح متواصل للنظم الإدارية و التنظيمية،
لأجل تسريع و تحسين عملية اتخاذ القرار
بمرونة تتناسب و التغيرات المتسارعة في هيكل
السوق.
د-
الاهتمام بالمسؤولية الاجتماعية، و تطوير
أخلاقيات العمل المصرفي. فالمؤسسة التي تسعى
إلى تعظيم الربحية فقط، ستجد صعوبة في
المحافظة على البقاء.
ه-
تطوير أنشطة البحث و التطوير، لأجل تعزيز
قدرة المصرف على إيجاد منتجات جديدة في
المجالات التي يتمتع فيها بميزات نسبية.
و-
التأكيد على خدمة العملاء.
ز-
تخفيض كبير في تكلفة الوحدة سواء على مستوى
الفرع، أو على مستوى المنتج.
ح-
تحسين واضح في إدارة المخاطر.
إن تحقيق متطلبات النجاح المذكورة سابقا
تحتاج إلى انفتاح الإدارات المصرفية على
التجديد، و الاقتدار على إحداث التغيير و
الالتزام به، كما يحتاج إلى العمل بمبدأ
التغيير المستمر الهادف دائما إلى التجديد
والتطوير.
إن قانونا جديدا للمصارف، يستمد روحه من
اتفاقية(بازل)، و يعزز دور السلطة الرقابية،
متوقع صدوره خلال العام الحالي. و من
المتوقع لهذا القانون أن يسد القصور في
القانون الحالي، و يتناول المستجدات في
العمل المصرفي، كما سيضمن انفتاح السوق
المالية. لكن أهم ما في القانون هو التوسع
في الأنشطة المالية التي باستطاعة المصرف
ممارستها، عدا عن قبول الودائع، و منح
الائتمان، و تقديم خدمات الدفع. كما تضمن
القانون ترخيصا للمصرف بالتعامل بأدوات
السوق النقدية و الرأسمالية، لحسابه أو حساب
عملائه، و شراء الديون و بيعها مع حق الرجوع
أو من دون(Factoring)،
و التأجير(Leasing)،
و التعهد بتغطية أدوات الدين
و الأسهم، و تقديم الخدمات الإدارية و
الاستشارية للمحافظ الاستثمارية، و خدمات
أمين الاستثمار، و الحفظ الأمين، و خدمات
الوكيل المالي. إن هذا القانون بقدر ما هو
ملآن بالفرص هو أيضا ملآن بالتحديات، و يضع
المصارف أمام مسؤولية التطور و العمل كمصرف
شامل، إذا ما أرادت ذلك.
إلى جانب قانون المصارف، يتوقع أن يشهد
السوق المالية الأردنية على مدى السنوات
الثلاث القادمة مزيدا من الإصلاحات الهيكلية
الأخرى، و ذلك تعزيزا لقدراتها، و رفعا لها
في مواجهة تحديات المنافسة القادمة(قانون
ضمان الودائع، نظام المدفوعات الوطني).
مواجهة تحدي الانفتاح:
إن انفتاح السوق المصرفية الأردنية على
الأسواق العالمية أمر قادم و لا مفر منه، و
سيضع هذا الانفتاح مصارفنا في مواجهة غير
مسبوقة مع مؤسسات أكبر حجما، وأكثر خبرة.
ومع ذلك، بمستطاعنا، خلال فترة التكيف
القصيرة التي ما زالت أمامنا، أن نخفف من
حدة المنافسة القادمة إذا ما أسرعنا بالقيام
بما علينا القيام به.
إن مواجهة تحدي المنافسة من قبل
القطاع المصرفي يتم بالسير بمثل ما تسير
عليه الأسواق المالية في العالم، لأن تحدي
المنافسة هو تحد على مستوى العالم أجمع، ولا
يقتصر على منطقة معينة. و قد واجه العديد من
المؤسسات هذا التحدي بمجموعة من الإجراءات،
منها:
أ-
تكوين وحدات كبيرة، من خلال الاندماج، لخلق
مزيد من القيمة و الكفاية.
ب-
الانتشار الجغرافي.
ج- تكوين تحالفات واسعة.
د- استثمار كبير في الموارد البشرية.
ه- استثمار واسع جدا في التكنولوجيا و
أنظمة الاتصالات، لتعزيز القدرة الإنتاجية،
و تخفيض كلفتها.
و- إبداع مالي مستمر.
على أبواب القرن الحادي و العشرين:
سيشهد العقد القادم قفزات هائلة في
نظام الاتصالات العالمي، مع استمرار
الانخفاض في تكاليفه. و سيؤدي هذا، بدون
أدنى شك، إلى تغير جذري في طريقة قيام
الأفراد و المؤسسات بأعمالهم، و بطريقة نقل
الأموال و المعلومات. و من المؤكد أن يؤدي
هذا التطور إلى تراجع الدور البشري في
الخدمات المالية، و إلى نمو كبير في
المنتجات الإلكترونية، و الخدمات المالية عن
بعد، و نظام المدفوعات القائم على شبكة
Internet.
و هذه التطورات بمجملها ستؤثر على طريقة
تكيف مقدمي الخدمات المالية، لأجل المحافظة
على عملائهم. هذا، و يعتقد الكثير من
المصرفيين أن المعركة القادمة على اكتساب
العملاء ستكون على شبكة الانترنت، و ربما
تكون هذه هي المعركة الأخيرة للعديد من
المؤسسات المصرفية. و إن كان هناك لا شك حول
قدرة الكثيرين على البقاء بغير هذه المعركة،
لكن لا شك أيضا بأن التحديات التي ستواجههم
ستكون آتية و كبيرة.
إن الصناعة المصرفية بوضعها الحالي لا
يمكن لها أن تستمر كما هي عليه خلال القرن
القادم، لأن المصارف التي حققت ربحها في
الماضي من جمع النقود، و حفظها، و إقراضها،
ستواجه بوضع لن يكون فيه نقود تجمعها و
تحافظ علها، و ذلك عندما تنتقل إلى المجتمع
غير النقدي، حيث ستختفي النقود العادية و
تحل محلها النقود الإلكترونية. في هذه
الحقبة، لن تحتاج المصارف لجمع الأموال و
حمايتها، و بذلك ستختفي مظاهر المصارف التي
تعودنا عليها من أبنية محصنة، و قضبان
حديدية، و سيارات نقل مصفحة، كما أن التعامل
لن يكون شخصيا، بل سيكون من خلال أجهزة
الكومبيوتر، من أي مكان، و في أي زمان.
فخلال عام 1999، أصبح(90%)
من المصارف الأمريكية الكبيرة تقدم خدمات
كاملة عن طريق الانترنت(Internet).
و مع بداية العام 2000، سيكون هناك
ما يزيد عن 1000 مصرف في العالم تقدم
خدمات مصرفية إلكترونية. لقد أعرب (35%)
من قطاع الأعمال الأمريكي عن رغبته في
استخدام
Internet Banking
بحلول عام 2000، كما يتوقع أن يتم
ثلث أعمال التجزئة المصرفية من خلال هذه
الخدمة، و ذلك بحلول عام 2005.
في تحد واضح للصناعة المصرفية، قال
Bill Gates
"إن المصارف ديناصورات تواجه الانقراض" ، و
قد أخذت بعض المصارف هذا التحذير على أنه
دعوة تحد للصناعة المصرفية. فإما أن تأخذ
المصارف الريادة في تطوير التكنولوجيا
اللازمة لتقديم خدماتها في القرن الحادي
و العشرين، أو أن تكتفي باستعمال تكنولوجيا
الآخرين، و تبقى أسيرة لهم.
الخلاصة:
لقد مرت الصناعة المصرفية خلال الثلث
الأخير من القرن العشرين في مرحلة تحول
جذري، نتج عنها إعادة النظر في تركيبة
الصناعة، و إستراتيجيتها. و الآن، و مع حلول
القرن الحادي و العشرين، سنواجه بعالمية
الأسواق، و بقدرة التكنولوجيا المتقدمة على
أن تضع أمام العملاء، أينما تواجدوا في
العالم، خيارات لا متناهية من الخدمات
المالية، و مزوديها. و في مثل هذا المناخ
التنافسي، على المصارف مرة أخرى إعادة تنظيم
منتجاتها، و قنوات تقديمها لمواجهة سوق تتصف
بالديناميكية.
هذا التطور جعل القضايا التي تواجه
المصارف الآن تختلف جذريا عن تلك التي كانت
قبل سنوات قليلة، فالاستجابة لاتجاهات
السوق، و لموضوع الأداء لأجل البقاء أخذت
تحتل الأولوية على ما عداها. ليس هذا فحسب،
بل إن المصارف تواجه الآن بمطالب متعارضة من
المساهمين، و الموظفين، و المجتمع، و في مثل
هذا المناخ الذي تبرز فيه الضغوط من كل
جانب، لا يوجد مكان للتغيير البطيء، إذ لا
بد من التغيير الجوهري السريع.
إن استمرار مصارفنا بالدور الحالي
الذي تقوم به أمر لن يطول، و كما أتى الوقت
على البلدان الأخرى التي سبقتنا في التطور،
سيأتي على مصارفنا الوقت الذي سيدخل فيه
المستثمرون الأسواق لمنافستها على الودائع،
لأن المقترضين سيتعلمون كيف يتوجهون مباشرة
إلى أصحاب الفوائض ليتجنبوا كلفة الوساطة
المالية. و مثل هذا التوجه، سيؤدي بها إلى
رفع كلفة الأموال على المصارف،و بالتالي
تقليص هوامشها الربحية، الأمر الذي سيؤدي
بها إلى البحث عن مصادر دخل أخرى لتحسين
عوائدها. لكن لا زال أمام الصناعة المصرفية
متسعا قليلا من الوقت لاستباق هذه المنافسة،
من خلال المبادرة و الاستجابة لاحتياجات
العملاء المالية حتى تقطع الطريق أمام
المنافسين الذين ينفذون عادة من ثغرات
القصور.
إن الدور الاحتكاري الذي تتمتع به
المصارف الأردنية لن يطول أبدا. و إذا لم
تتمكن المصارف من التلبية الشاملة لاحتياجات
عملائها، فإن قوى السوق ستخلق العديد من
المؤسسات المنافسة، و بذلك تكون المصارف قد
أسهمت في خلق منافسيها.
و من المنظور الشامل، على المصارف،
التي تستعد للمنافسة في القرن القادم، أن
تعتنق مذاهب التغيير، و أن تتلاءم و الحقائق
الجديدة، كما عليها أن تدرك أهمية رأس المال
البشري، لأنه في السنوات الماضية التي ركزت
فيها المصارف على التكتل و إعادة الهيكلة،
نظرت في معظم الأحيان إلى القوى البشرية على
أنها التزامات، لا موجودات. و عندما شدد
المحللون على تحسن مؤشرات الأداء، استجاب
المديرون بتخفيض الوظائف حيث أمكن لأجل
الاستمرار.
إن التوقع بأن ينخفض عدد المصارف
الأمريكية خلال العشرين سنة القادمة، من
(11) ألف إلى (3) آلاف مصرف، أطلق المجال
لما يمكن تسميته بالداروينية المصرفيةDarwinian
Banking،
و تعني البقاء للأفضل. أي أن المصارف، التي
تستطيع أن تستجيب لمتطلبات الأسواق و تعزز
حصتها السوقية بالاستجابة لاحتياجات
عملائها، هي التي ستعيش و تزدهر.
إذا أرادت المصارف الصراحة مع نفسها،
عليها أن تعترف بأن ما فقدته من حصة سوقية
كان بسبب عدم رغبتها بالاعتراف بحقيقة أن
العملاء أصبحوا يريدون شيئا يختلف عما
تقدمه. لقد تغيرت احتياجات العملاء، و أصبحت
أكثر تعقيدا، و مع ذلك، ما زالت المصارف
تعرض عليهم المنتجات القديمة نفسها.
على الصناعة المصرفية ألا تكرس جهودها
للدفاع عن مواقفها القديمة، بل أن تبذل
جهودها لتطوير أسلحة هجومية للتقدم، و
استعادة الأرض المفقودة. و أقول لمن يعتقدون
بأن التغيرات التي حدثت في الماضي كانت
جذرية، عليهم أن ينظروا، و يروا ما سيحدث في
المستقبل.