الصفحة الرئيسية

Business card templatesBusiness card templates Web Templates Logo templates Business card templates

  الصفحة الرئيسية / كتب منشورة / وجهات نظر مصرفية (ج1) / القطاعات الرئيسية في الأردن

 

 

القطاعات الرئيسة في الأردن

و الاستجابة لتحديات المنافسة

"قطاع المصارف"

مقدمة إلى ورشة عمل أقيمت في

مركز الدراسات الإستراتيجية

الجامعة الأردنية

 عمان- الأردن

في 16/5/1999

 

المقدمة

         منذ بداية الثمانينات، و الأسواق المالية العالمية تشهد تسارعا حثيثا، تبلورت ملامحه على نحو أكثر وضوحا خلال بداية العقد الحالي، باتجاه تبني نظم مالية أكثر انفتاحا و تحررا، و ذلك من خلال إزالة كافة أشكال العوائق و الحواجز الجغرافية بين تلك الأسواق، و تحريرها من أية قيود.

     و قد سارع في هذا التوجه التقدم الكبير المتحقق في مجالات التكنولوجيا و أنظمة تبادل المعلومات و الاتصالات. و قد كان من آثار تلك التغيرات أن انطلقت موجة كاسحة من الإبداعات المالية، أدت إلى تغييرات جذرية في عملية توظيف الأموال، و سرعة انتقالها من أماكن الفائض إلى أماكن العجز، كما أدت إلى طرح العديد من المنتجات و الخدمات المالية و المصرفية الجديدة، ضمن موجة لا متناهية من الإبداع المالي و الهندسة المالية.

    كما أطلقت التغيرات الهائلة، التي تمر بها الصناعة المالية، قوى المنافسة من داخل القطاع و من خارجه،  و من داخل الحدود و من خارجها. فعدا عن المنافسة بين المؤسسات المصرفية نفسها، هناك منافسة تشتد، و تقودها الشركات المالية المتخصصة، ساعد من حدتها و اتساعها تحرير قطاع الخدمات المالية، الذي تقوده منظمة التجارة العالمية، و الذي سهل انتقال الخدمة عبر الحدود، أو من خلال التواجد في البلدان الأخرى.

    منطلقا من هذا الدور الجديد للقطاع المصرفي، سأتناول في هذه الورقة القدرة التنافسية للقطاع المصرفي الأردني، و قدرته على مواجهة التحديات المترتبة عليه كقطاع مسؤول عن حشد المدخرات، و توجيهها لخدمة الاقتصاد القومي، مرتكزا في ما سأقوله على أن النظام المالي الكفي هو النظام القادر على:

أ‌-        أن يحقق كفاية في نظام الدفع.

ب‌-    أن يسهل عملية تخصيص الموارد، و تمويلها بشكل مستمر و بكفاية.

ج‌-      أن يوفر الأدوات و الضمانات التي تقلل من حالة عدم التأكد بالنسبة لقيمة النقود و الأدوات المالية، و أن تقدم للمستثمر سيطرة معقولة على المخاطر.

د‌-       أن يسهل إصدار أدوات الدين و رأس المال من قبل المشاريع المحتاجة إلى التمويل.

ه‌-       أن يقدم للجمهور معلومات عن أسعار الموجودات المالية.

 

القطاع المصرفي الأردني:

      في الوقت الذي يتراجع فيه دور المصارف في الدول المتقدمة، بسبب منافسة المؤسسات المالية الأخرى في مجالات الاستثمار و التمويل، و توجه المقترضين المباشر إلى المقرضين، ما زال الجهاز المصرفي الأردني يحتل مكان الصدارة في هذه المجالات. فالقطاع المصرفي الأردني هو المصدر الرئيس للائتمان، بسبب ضعف سوق رأس المال و مؤسساته و محدوديتها، و عدم قدرتها على توفير مصادر تمويل للمستثمرين.

     و دون مبالغة، يمكن القول بأن القطاع المالي هو أحد أهم القطاعات الاقتصادية في الأردن و أكثرها تقدما،و ذلك  من حيث معدلات النمو، و النشاط، و مستوى التطور، و الاستخدام التكنولوجي و المعلوماتي. هذا، و تبلغ مساهمة قطاع خدمات المال، و التأمين، و العقارات، و الأعمال ما نسبته 22.1% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، و ذلك حسب أرقام عام 1998، و هذه هي أعلى مساهمة من بين مختلف القطاعات الاقتصادية الأخرى، الأمر الذي يعكس الأهمية النسبية للقطاع المالي. و تطغى المصارف التجارية على باقي مؤسسات القطاع المالي من حيث حجم الودائع، و مجمل الأصول. فإلى جانب كونها الوعاء الادخاري الأكبر، تعتبر أيضا المصدر الرئيس للائتمان في السوق، و ذلك بسبب انعدام المنافسة من المؤسسات و المقرضين الآخرين.

     هذا التفرد مكن القطاع من أن يحقق نموا كميا و نوعيا متميزا، وظف جزءا مهما منه في مد الاقتصاد القومي باحتياجاته التمويلية في مختلف المجالات الاستثمارية  و التنموية، و ذلك من خلال توفير مدى مناسب من الخدمات المالية و المصرفية خلال فترة النهوض الاقتصادي.

     يتكون الجهاز المصرفي الأردني من (14) مصرفا تجاريا، و (5) مصارف استثمار، و (5) مؤسسات إقراض متخصصة، هي بنك تنمية المدن و القرى، و بنك الإنماء الصناعي، و المنظمة التعاونية، و مؤسسة الإقراض الزراعي، و المؤسسة العامة للإسكان، إلى جانب مصرفين يعملان وفقا للشريعة الإسلامية، لها جميعا أكثر من 430 فرعا.

     تبلغ موجودات المصارف المرخصة في الأردن بحدود(10.5) مليار دينار، و رؤوس أموالها و مخصصاتها و احتياطياتها بقيمة(1.25) مليار دينار، تقدم للاقتصاد القومي ما مجموعه (5275)مليون دينار(بما فيها ائتمان البنك المركزي للحكومة)، تبلغ حصة القطاع الخاص منها (4071) مليون دينار. بالإضافة إلى ذلك، يضع هذا القطاع في تصرف الاقتصاد القومي ودائع بالعملات الأجنبية مقدارها أربعة بلايين دولار، تعادل ثلاثة أضعاف الاحتياطي الرسمي من العملات الأجنبية.

        كانت المشكلة الرئيسة التي تواجه الجهاز المالي الأردني هي التبعثر، حيث أن السوق مقسمة إلى عدة وحدات صغيرة تعمل بصورة فردية و مستقلة عن باقي مؤسسات القطاع، و ذلك من خلال القوانين والتعليمات و بعض الامتيازات الخاصة الممنوحة لبعض المؤسسات. و قد أثر هذا التبعثر سلبيا في مستوى كفاية السوق و نمط المنافسة السائد، كما حد من إمكانيات النمو للمؤسسات المالية. و هنا، يشار إلى أن عملية إصلاح القطاع المالي، لا بد و أن تؤدي إلى تغيير جذري في هيكلة السوق المالية، و تحسين وضع الصناعة، و جعلها أكثر تنافسية و كفاية.

       و على رغم ذلك، نجح القطاع المصرفي، بكفاية نسبية، في سد الفجوة بين الادخارات قصيرة الأجل، و متطلبات التمويل طويل الأجل. فقد ارتفع الرصيد القائم للتسهيلات الائتمانية الممنوحة من قبل المصارف التجارية من (20%) من الناتج المحلي الإجمالي(GDP) في عام 1970 إلى (82%) من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1998. و في مجال حشد المدخرات، نجحت المصارف في خفض معدلات التفضيل النقدي بصورة متواصلة خلال السنوات السابقة، و ذلك كما تشير إليه نسبة ودائع التوفير و الأجل إلى الناتج المحلي الإجمالي، و التي وصلت إلى (110%) من الناتج الإجمالي، و إلى (96%) من مجمل السيولة المحلية، و ذلك بنهاية عام 1998.

    و تظهر المقارنة الإقليمية أن المصارف الأردنية قامت بدور فعال في مجال حشد المدخرات و الموارد المالية بكفاية أكثر من المعدلات السائدة في العالم العربي.

    فموجودات المصارف الأردنية تعادل ضعف الناتج المحلي الإجمالي، و تعادل الودائع (136%) من هذا الناتج، كما يمثل الائتمان المقدم إلى القطاع الخاص (77.5%) من الناتج نفسه. و بالموازنة، فإن الودائع تعادل (51%) من الناتج المحلي الإجمالي في العالم العربي. أما إذا ما أخذنا بلدا (مثل تونس) مقاربا للأردن في تطوره الاقتصادي، فإننا نجد أن موجودات المصارف التجارية تشكل (75%) من الناتج المحلي الإجمالي، و الودائع (37%) منه. أما في لبنان فتشكل (135%) ، و مصر (70%).

    أما من حيث الكثافة المصرفية(عدد المصارف لكل عشرة آلاف مواطن)، فهي (0.4%) في العالم العربي، مقابل (0.93%) في الأردن، و (0.25%) في مصر، و (0.82%) في تونس.

     و على الرغم من أن القطاع المصرفي الأردني هو أعمق الآن من أي وقت مضى، إلا أن صغر حجم الوحدات المصرفية ما زال يؤثر سلبيا في تكلفة الإنتاج لدى المصارف،و في قدرتها على زيادة الخيارات المتاحة للمدخرين و المستثمرين على حد سواء. كما أدى الازدحام في سوق محدودة، بسبب المبالغة في التفرع، إلى التأثير سلبيا على الهوامش الربحية.

     و على رغم الحاجة الملحة إلى وجود وحدات مصرفية أقل عددا و أكبر حجما، إلا أن ضرورات الاندماج لم تلق بعد رد الفعل المناسب، على الرغم من أنه سيكون من الصعب على وحدات الجهاز المصرفي الأردني، خاصة الصغيرة منها، الاستمرار في مثل هذا الوضع، أو الاستفادة من المزايا التي تتيحها عملية الانفتاح و التحرير التدريجي للقطاعات المالية الدولية، كما لن يكون بمستطاع العديد من هذه الوحدات العمل خارج الحدود التي أخذت تنفتح أمام الجميع.

      إن دخول المؤسسات المالية الأجنبية، بكل ما تملكه من موارد، و معرفة، و تكنولوجيا، و منتجات حديثة، و تقديمها للخدمات من خارج الحدود إلى السوق المحلية، سيشكل تحديا حقيقيا، و منافسة جدية للمصارف الأردنية، لم تعد العدة المناسبة لمواجهتها.

 كيف نعد القطاع المصرفي للمنافسة:

      لقد خضع القطاع المصرفي الأردني إلى العديد من الإجراءات، والتنظيمات، و التشريعات الهادفة إلى تعزيز قدرته، و توسيع عمله، و تنويع الخدمات التي يقدمها. و قد توجهت جهود الإصلاح الأولي نحو إعادة هيكلة القطاع، و إعادة التوازن إليه، من خلال تعزيز رؤوس أموال مؤسساته، إلى جانب جهود كبيرة في تدريب كوادره. و من ثم، توجهت الجهود الإصلاحية نحو المناخ العام، حيث تم تحرير أسعار الفائدة لتوفير التمويل بأسعار تعكس مخاطر الائتمان، كما تم تخفيف القيود المفروضة على المصارف التجارية لتمكينها من القيام بدور واسع في الوساطة المالية، كما تم تطوير الشروط القانونية و التشريعية الخاصة بإنشاء صناديق الاستثمار.

    لقد هدفت سياسات الإصلاح إلى إقامة بنية تحتية لنظام مصرفي عصري محكوم بنظام رقابة فعال، بهدف المحافظة المستمرة على سلامة و ملاءة هذا الجهاز المهم.

    لقد أنجزت الموجة الأولى للإصلاح، و التي امتدت من عام 1989 و حتى عام 1998، عدة قضايا، أهمها:

1-      تطبيق المعايير الدولية لكفاية رأس المال(رفعها إلى 12%).

2-      تعزيز المراكز المالية للمصارف(الحد الأدنى لرؤوس أموال المصارف عند 20 مليون دينار).

3-      وضع سقوف للتركز الائتماني.

4-      تعويم أسعار الفائدة.

5-      استبدال أساليب الرقابة غير المباشرة بالمباشرة.

6-      تشجيع عمليات الاندماج ما بين المصارف.

7-      تحرير عمليات العملة الأجنبية حيازة، و تحويلا، و إقراضا.

8-      الإفصاح المالي و الشفافية الكافيان، كي لا تستطيع أي مؤسسة إخفاء مشكلاتها عن الجمهور.

9-      إلغاء الامتيازات الخاصة الممنوحة لبعض المؤسسات المصرفية.

              10- توحيد نسب الاحتياطي الإلزامي للمصارف التجارية والاستثمارية(14%).

              11- السماح بالعمليات الآجلة من دون سقوف.

              12- تبني معايير صارمة لتصنيف الديون.

              13- تفعيل سوق ما بين المصارف.

     أما الموجة الثانية من الإصلاح، فتهدف إلى زيادة كفاية السوق و تعزيز تنافسيتها، و ذلك تمهيدا لانفتاح أوسع على الأسواق المالية العالمية. و ستركز الإصلاحات المتوقعة خلال المستقبل القريب على تعزيز البيئة القانونية، و تعزيز دور الجهات الرقابية في الجهاز المصرفي، و سوق رأس المال، و التأمين، و التقاعد، رفعا لكفاية السوق، و تعزيزا للمنافسة ضمن أطر عمل موحدة.

    أن الإصلاح هذه المرة يمتاز بشموليته، و يركز على توازن مساراته، سواء في مجال الأدوات، أو المؤسسات، تجنبا لأي اختلال قد يحدث بسبب عدم التوازن الشامل. و ضمن هذا الإطار، يشار إلى أن الإصلاحات المقترحة لن تقتصر على القطاع المصرفي التجاري، بل ستمتد لتشمل البنك المركزي، الذي سيعيد ترتيب تنظيمه الداخلي، ليتناسب و الروح الجديدة التي ستسود نظام الرقابة على الجهاز المصرفي و عملياته.

    و من جانب آخر، فإن المشكلة في السوق المصرفية الأردنية ليست مشكلة تمويل فحسب، فالموارد المالية متاحة و توفرها المصارف بسهولة، لكن المشكلة تعود إلى ثلاثة عوامل رئيسة:

    أ- محدودية قدرة المستثمرين على تعرف مشاريع مناسبة. لذا، نجد هناك ترددا من مؤسسات تقديم التمويل.

   ب- ضعف الثقافة المالية لدى مسؤولي التمويل في القطاع الصناعي و التجاري، حيث ما زالت ثقافة هؤلاء المسؤولين متوقفة عند الجاري مدين، و القروض، و معلومات محدودة عن المنتجات المصرفية.

  ج- قصور جهود المصارف التسويقية، التي أثبتت أنها غير قادرة على تطوير المنتجات و تقديمها، بما يتناسب و احتياجات المقترضين.

 

تحديات الجهاز المصرفي الأردني:

     ما إن تجاوزت المصارف أزمة نوعية الأصول خلال فترة الثمانينات بالحد الأدنى من الخسائر، حتى واجهتها تحديات التحرر و الانفتاح، لكن بزخم مختلف من حيث المقدار، و النوع، و المخاطر، و المنتجات.

    لكن التحدي الأساسي الذي يواجه القطاع هو المنافسة الداخلية و الخارجية:

أ‌-       المنافسة الداخلية:

     و هذه حصيلة تعدد الوحدات المصرفية في السوق، وتتخذ هذه المنافسة شكل تخفيض الهوامش الربحية، دون أن ترتد إلى معالجة المشكلات البنيوية لدى الجهاز المصرفي، مثل محدودية الموارد، و ارتفاع كلفة الإنتاج، محدودية المنتجات، و استعمال ضيق للتكنولوجيا. وستؤدي هذه المنافسة إلى الاستمرار في تدهور ربحية المصارف بشكل عام،و الصغيرة منها بشكل خاص، الأمر الذي قد يجبرها على التوحد و الاندماج في نهاية المطاف.

         و ضمن المنافسة المحلية، هناك منافسة أخرى من المصارف الأجنبية العاملة في الأردن، حيث تتمتع هذه المصارف بميزة الدعم الفني و المعلوماتي من مراكزها الرئيسة، و بشكل خاص ANZ وCitiBank، و بنك الشرق الأوسط، الأمر الذي يضعها في موقف تنافسي أفضل على المدى البعيد.

  ب- المصدر الخارجي للمنافسة:

              و ستأتي هذه المنافسة بشكل رئيس من مصارف خارج الحدود استفادت، و ستستفيد، من مزايا الانفتاح، و التحرر، و مستحقات الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. و ستكون هذه المنافسة من مصارف تمتلك موارد غير محدودة، مدعومة بمعرفة فنية متقدمة، إلى جانب امتلاكها لأحدث النظم المعلوماتية. و ستتركز منافسة هذه المصارف على المشاريع الكبيرة و كبار المودعين (High Networth Individuals) و ستترك المعاملات الصغيرة للمصارف المحلية.

 

الاستجابة لتحديات المنافسة:

         في هذا الوقت الذي تقود فتها احتياجات العملاء توجهات المصارف، و مسارات التطور لديها، أصبحت عوامل النجاح في العمل المصرفي تتحدد على النحو الآتي:

1-      التركيز على القدرات البيعية و التسويقية، و الاهتمام الشديد برغبات العملاء، و أفضلياتهم.

2-      البحث عن الائتلافات الإستراتيجية، للتعويض عن نقاط الضعف الذاتية في بعض المنتجات، و التركيز على التفوق في المجال الذي تتخصص فيه المؤسسة.

3-      إصلاح متواصل للنظم الإدارية و التنظيمية، لأجل تسريع و تحسين عملية اتخاذ القرار بمرونة تتناسب و التغيرات المتسارعة في هيكل السوق.

4-      الاهتمام بالمسؤولية الاجتماعية، و تطوير أخلاقيات العمل المصرفي. فالمؤسسة التي تسعى إلى تعظيم الربحية فقط، ستجد صعوبة في المحافظة على البقاء.

5-      تطوير أنشطة البحث و التطوير، لأجل تعزيز قدرة المصرف على إيجاد منتجات جديدة في المجالات التي يتمتع فيها بميزات نسبية.

6-      التأكيد على خدمة العملاء.

7-      تخفيض كبير في تكلفة الوحدة، سواء على مستوى الفرع، أو على مستوى المنتج.

8-      تحسين واضح في إدارة المخاطر.

 

    إن تحقيق متطلبات النجاح المذكورة سابقا تحتاج إلى انفتاح الإدارات المصرفية على التجديد، و الاقتدار على إحداث التغيير و الالتزام به، كما يحتاج إلى العمل بمبدأ التغيير المستمر الهادف دائما إلى التجديد والتطوير.

    إن قانونا جديدا للمصارف، يستمد روحه من اتفاقية بازل، و يعزز دور السلطة الرقابية، متوقع صدوره خلال العام الحالي،ليحل محل القانون الذي صدر سنة 1971 قبل الثورة المصرفية المعاصرة. فلذا، من المتوقع لهذا القانون أن يسد القصور في القانون الحالي، و يتناول المستجدات مثل السرية المصرفية، و الاندماج، و مسؤولية الإدارة، و الرقابة، و السيطرة،

و المصالح المؤثرة، و الإفصاح المالي، و إعطاء قدرة إثبات قانونية للبيانات الإلكترونية الصادرة عن الحاسوب،و مراسلات أجهزة التلكس، التي لا تعتبر ذات قوة إثبات قانونية حسب القانون الأردني. لكن أهم ما في القانون، هو التوسع في الأنشطة المالية التي باستطاعة المصرف ممارستها، عدا عن قبول الودائع، و منح الائتمان، و تقديم خدمات الدفع، كما تضمن القانون ترخيصا للمصرف بالتعامل بأدوات السوق النقدي و الرأسمالي لحسابه، أو حساب عملائه، و شراء الديون و بيعها مع حق الرجوع أو بدون(Factoring)، و التأجير(Leasing)، و التعهد بتغطية أدوات الدين و الأسهم، و تقديم الخدمات الإدارية و الاستشارية للمحافظ الاستثمارية، و خدمات أمين الاستثمار، و الحفظ الأمين، و خدمات الوكيل المالي. إن هذا القانون بقدر ما هو مليء بالفرص هو أيضا مليء بالتحديات، و يضع المصارف أمام مسؤولية التطور و العمل كمصرف شامل، إذا ما أرادت ذلك.

    إلى جانب قانون المصارف، يتوقع أن تشهد السوق المالية الأردنية، على مدى السنوات الثلاث القادمة، مزيدا من الإصلاحات الهيكلية الأخرى، و ذلك تعزيزا لقدراته و رفعا لها في مواجهة تحديات المنافسة القادمة، و منها:

1-      إصدار قانون ضمان الودائع، و إقامة مؤسسة لهذه الغاية قريبا.

2-      تطوير نظام تحصيل الشيك، بحيث يكون هناك مدة تحصيل مقدارها يوما عمل.

3-      تطوير نظم دفع آلي.

4-      إدخال نظام مدفوعات يتميز بالسرعة، و السلامة، و الكفاية، ليتوازى ذلك مع نظام الدفع و المقاصة الحديثة، الذي سيتم تبنيه في سوق عمان المالية.

5-      إدخال نظام للتمويل المضمون بالأصول المنقولة توفيرا للضمانات، و تحسينا لوسائل إدارة المخاطر، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة عرض المنتجات المالية.

و في مجال السياسة النقدية، يتوقع أن تحصل التطورات الآتية:

     أ- بقاء أسعار الفائدة مرتفعة إلى المستوى الذي يحافظ على معدلات الطلب على الدينار.

   ب- موازنة نمو السيولة، و معدل نمو الاقتصاد القومي بالأسعار الجارية.

   ج- توفير التمويل الكافي للقطاع الخاص.

    د- الحد من مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في مجال الاقتراض.

    ه- التوجه لتخفيض كلفة السياسة النقدية على البنك المركزي.

 

    أما في مجال السياسة المالية، فستعمل الحكومة على تعميق السوق المالية، من خلال جعل الاقتراض الحكومي أكثر شفافية، و تخفيض كلفة الاقتراض على البنك المركزي، من خلال تنظيم الخزينة لمزاد منتظم لبيع أوراقها.

 

مواجهة تحدي الانفتاح:

      لا شك في أن انفتاح السوق المصرفية الأردنية على الأسواق المالية العالمية سيترتب عليه العديد من النتائج و الآثار السلبية، من أهمها:

أ‌-        منافسة غير متكافئة مع منافسين أقوياء، يتمتعون بمزايا نسبية مرتفعة في الموارد المادية، و البشرية، و التكنولوجية.

ب‌-    احتمال قيام المؤسسات الأجنبية بتجميع المدخرات الوطنية، و توجيهها لخدمة استثمارات أخرى في بلدانها الأصلية، و ذلك لعمق الأسواق و كفايتها، إلى جانب وجود فرص أكثر جاذبية، و أقل مخاطر مما هو متاح لدينا.

ج‌-      فتح قنوات مشروعة لتسرب المدخرات المحلية لصالح استثمارات أجنبية.

د‌-       التأثير على كفاية السياسات النقدية المتبعة، بسبب مناخ الحرية الذي سيمنح للمؤسسات المالية.

إنني لا أعتقد بأن القطاع المصرفي، بكامل مؤسساته، سيكون قادرا على مواجهة المنافسة الأجنبية، في حالة انفتاح واسع على الخارج، و ذلك بسبب حجم الوحدات المصرفية الأردنية (باستثناء البنك العربي)، و ضآلة مواردها المالية الذاتية و الكلية، و محدودية مواردها البشرية، و عدم قدرتها على الإنفاق الواسع في مجالات التدريب و التكنولوجيا. لذا، فإن سياسات الانفتاح، التي يمكن قبولها في هذا المجال، يجب أن تكون تدريجية حتى تسمح للجهاز المصرفي بالاستعداد استعدادا مناسبا.

      إن مواجهة تحدي المنافسة من قبل القطاع المصرفي يتم بالسير بمثل ما تسير عليه الأسواق المالية في العالم، لأن تحدي المنافسة هو تحد على مستوى العالم أجمع، ولا يقتصر على منطقة معينة. و قد واجه العديد من المؤسسات هذا التحدي بمجموعة إجراءات، منها:

أ‌-        تكوين وحدات كبيرة، من خلال الاندماج، لخلق مزيد من القيمة و الكفاية.

ب‌-    الانتشار الجغرافي.

   ج- تكوين تحالفات واسعة.

    د- استثمار كبير في الموارد البشرية.

    ه- استثمار واسع جدا في التكنولوجيا و أنظمة الاتصالات، لتعزيز القدرة الإنتاجية،

        و تخفيض كلفتها.  

    و- إبداع مالي مستمر.

 

الخلاصة:

      مرت الصناعة المصرفية في مرحلة تحول جذري، نتج عنها إعادة النظر في تركيبة الصناعة و إستراتيجيتها. و الآن، و باقتراب هذه الصناعة من القرن الحادي و العشرين، سنواجه بعالمية الأسواق، و بقدرة التكنولوجيا المتقدمة على أن تضع أمام العملاء، أينما وجدوا في العالم، خيارات لا متناهية من الخدمات المالية و مزوديها. و في مثل هذا المناخ التنافسي، على المصارف مرة أخرى إعادة تنظيم منتجاتها، و قنوات تقديمها لمواجهة سوق تتصف بالديناميكية.

       إن القضايا التي تواجه المصارف الآن تختلف عن تلك التي كانت قبل سنوات قليلة، فالاستجابة لاتجاهات السوق، و لموضوع الأداء أخذت تحتل الأولوية على ما عداها. ليس هذا فحسب، بل إن المصارف تواجه الآن بمطالب متعارضة من المساهمين، والموظفين، و المجتمع. و في مثل هذا المناخ، لا مكان للتغيير البطيء، إذ لا بد من التغيير الجوهري.

      إن استمرار مصارفنا بالدور الحالي الذي تقوم به أمر لن يطول، و كما أتى الوقت على البلدان الأخرى التي سبقتنا في التطور، سيأتي على مصارفنا الوقت الذي سيدخل فيه المستثمرون الأسواق لمنافستها على الودائع، لأن المقترضين سيتعلمون كيف يتوجهون مباشرة إلى أصحاب الفوائض، ليتجنبوا كلفة الوساطة المالية. و مثل هذا التوجه، سيؤدي بدوره إلى رفع كلفة الأموال على المصارف،و بالتالي تقليص هوامشها الربحية، الأمر الذي سيؤدي بها إلى البحث عن مصادر دخل أخرى لتحسين عوائدها.

     استعدادا لهذا كله، على الصناعة المصرفية في الأردن أن تبدأ فورا بتبني الوسائل الفعالة لزيادة كفايتها من خلال:

1-      تحسين الكفاية الإدارية، و الاستثمار الواسع في تأهيلها، لإكسابها مهارة الإبداع و الإقدام، مسترشدة بالمستقبل في قراراتها، و ليس بما تم في الماضي.

2-      إدارة كفية للميزانية.

3-      تقديم منتجات جديدة على جانبي الميزانية تتناسب و توجهات العملاء.

4-      تعميق سوق رأس المال، و سوق ما بين المصارف.

5-      الاستثمار بكثافة في أنظمة المعلومات و الاتصالات.

6-      تطوير أدوات المخاطر، بحيث تكون هناك قيمة مضافة من تحمل المخاطر.

7-      تغيير الثقافة المصرفية السائدة، و توجيهها نحو العملاء، بدلا من المنتجات.

     إن المصارف التي تستعد للمنافسة في القرن القادم عليها أن تعتنق مذاهب التغيير، و أن تتلاءم و الحقائق الجديدة، كما عليها أن تدرك أهمية رأس المال البشري، لأنه في السنوات الماضية، التي ركزت فيها المصارف على التكتل و إعادة الهيكلة، نظرت في معظم الأحيان إلى القوى البشرية على أنها التزامات، لا موجودات. و عندما شدد المحللون على تحسن مؤشرات الأداء، استجاب المديرون بتخفيض الوظائف حيث أمكن لأجل الاستمرار.

      إن التوقع بأن ينخفض عدد المصارف الأمريكية خلال العشرين سنة القادمة، من (11) ألف إلى (3) آلاف مصرف، أطلق المجال لما يمكن تسميته بالداروينية المصرفيةDarwinian Banking، و تعني البقاء للأفضل. أي أن المصارف، التي تستطيع أن تستجيب لمتطلبات الأسواق، و تعزز حصتها السوقية، بالاستجابة لاحتياجات عملائها، هي التي ستعيش و تزدهر.

     إن المؤسسات التي تحافظ على وجودها تتوقع التغير في السوق، و تستجيب له، ليس هذا فحسب، بل تجعل رضا العملاء نصب عينيها.

     إن المستقبل مشرق للمصارف التي لها رؤية حقيقية لدورها، و لتلك التي تستمع لموظفيها و عملائها، و تستطيع خلق القيمة الحقيقية.

 

عودة للقائمة

Site Navigation

 مفلح عقل في سطور

السيرة الذاتية
أهم الشهادات
ألبوم صور

 كتب منشورة

 مقـــالات منشورة

 كلمات مفلح عقل

 أبحاث منشورة

 لمراسلتنا

Quick Search


 

كتاب وجهات نظر مصرفية (ج1)

كتاب وجهات نظر مصرفية (ج2)

كتاب الفوائد - أسعار الفوائد

كتاب مقدمة في الإدارة المالية

البنوك الإسلامية

تنافسية القطاع المصرفي

   
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
       
     
 
Copyright © 2005 MuflehAkel.com,  All rights reserved.