الصفحة الرئيسية

Business card templatesBusiness card templates Web Templates Logo templates Business card templates

  الصفحة الرئيسية / كتب منشورة / وجهات نظر مصرفية (ج1) / البنوك الأردنية على أعتاب القرن الحادي و العشرين

 

 

البنوك الأردنية

على أعتاب القرن الحادي والعشرين

محاضرة ألقيت في

ورشة عمل مقامة في مركز الأردن الجديد للدراسات

 عمان- الأردن

في 24/7/1999

المقدمة 

      لقد قامت الصناعة المصرفية منذ بدايتها بوظيفة قبول الودائع و تقديم القروض، و قد أخذ كل من هاتين الوظيفتين يشهد تراجعا ملحوظا في السنوات الأخيرة. ففي جانب الودائع، توجه المودعون إلى الاستثمار المباشر لأموالهم خارج نطاق المصارف، سعيا وراء مردود أفضل أو أمان أكثر، خاصة بعد أزمة المصارف خلال فترة الثمانينات، كما بحث المقترضون عن المقرضين خارج نطاق وساطة المصارف، تخفيضا لتكاليفهم، الأمر الذي أدى إلى حرمان المصارف لجزء من عملها، و أدى بالتالي إلى تراجع ربحيتها.

     لم يكن تحدي عدم الوساطة (Disintermediation)الوحيد الذي واجه الصناعة المصرفية في السنوات الأخيرة، بل أدى الانفجار المعرفي إلى انتهاء احتكار المصارف للمعلومات المالية، بعد محافظة لهذا الاحتكار استمرت لسنوات طويلة، ظلت المصارف خلالها ضمن قلة قليلة من المؤسسات التي لديها المعرفة الفنية، و الخبرة في جمع المعلومات و تحليلها،

و استخدامها في اتخاذ القرارات المتعلقة بأسعار العملات و التوجهات المالية لسنوات طويلة قادمة.

     خلال السنوات الأخيرة، أخذ هذا الوضع الفريد، الذي تميزت به المصارف و حافظت من خلاله على مكانتها في عيون العملاء، يتغير بحدة نتيجة انتشار فضاء المعلومات، و توسعه،

و سهولة الوصول إليه لكل مشترك في خدمة الانترنت(Internet). و كان من نتيجة ذلك، أن تجردت المصارف من قوة المعرفة التي كانت تتمتع بها أمام عملائها، الأمر الذي أدى إلى مزيد من التراجع في العلاقة الخاصة بين المصارف و عملائها الذين أصبح بإمكانهم البحث عن أفضل المنتجات المالية عبر فضاء المعلومات.

     و هي على أعتاب القرن الحادي و العشرين، تقف الصناعة المصرفية في مواجهة فترة غير عادية من تاريخها الرتيب الذي لم يشهد على مدى سنواتها الطويلة تغيرات، بحجم تلك التي شهدتها هذه الصناعة خلال العشرين سنة الأخيرة.

    إن التغيرات السريعة التي تعصف بالصناعة المالية هي بالدرجة الأولى حصيلة ثورة الاتصالات و انتشار تكنولوجيا المعرفة. و قد أدى الانتشار غير العادي لأجهزة الكومبيوتر الشخصية، المتزامن مع ثورة الاتصالات و انخفاض كلفتها، إلى تغير في الطريقة التي اعتادت عليها المؤسسات و الأفراد في نقل المعلومات و المال، كما أتاحت وفرة المعلومات و سهولة حركة الأموال العديد من الخيارات، حيث أصبح بإمكان المقيم في مدينة معينة أن يفتح حساب شخصي في مصرف في مدينة أخرى، و حساب استثمار لدى مؤسسة في دولة أخرى، و يقوم بتمويل شراء بيت بقرض من مصرف في منطقة أخرى مختلفة، و ذلك كله دون أن يغادر مكانه، و إنما من خلال الكومبيوتر الشخصي الذي يملكه، و في الوقت الذي يناسبه هو.

       هذا المناخ إلى جانب مجموعة عوامل أخرى، سأشير إليها لاحقا تحت عنوان عوامل التغيير التي تضغط على الصناعة المالية، غير من شكل ساحة اللعب و عدد اللاعبين فيها، كما وضع مقدمي الخدمات المالية أمام الحاجة الملحة إلى التكيف مع هذه المستجدات بغية المحافظة على قاعدة عملائهم و تقرير اللعبة التي سيتشاركون بها لأجل المحافظة على مكان لهم في الساحة.                                                                                    

      في هذه الورقة، سأحاول أن أتناول مستقبل الصناعة المصرفية و هي على أبواب القرن الحادي و العشرين، حيث سأقوم بالإشارة باستمرار إلى واقع الجهاز المصرفي الأردني و تحدياته التي يواجهها خلال القرن القادم.

      نظرة تاريخية:

        من قبيل الاختصار و التبسيط، يمكن القول بأن الفترة الممتدة من بداية العمل المصرفي، كنشاط مستقر في مطلع القرن الثامن عشر، و حتى منتصف القرن الحالي، بأنها فترة قام فيها دور المصارف على الوساطة المالية بين المودعين و المقرضين. لكن منذ بداية النصف الثاني من القرن الحالي، أخذت الصناعة المصرفية تشهد تغيرات متلاحقة يمكن رصدها و تقسيمها إلى ثلاث فترات و هي:

      ** الفترة من 1950- 1980:

          تميزت هذه الفترة بتحصن الصناعة المصرفية و تمترسها خلف حدود جغرافية محمية بالأنظمة و القوانين، التي كانت تحد من المنافسة و تخلق مناخ شبه احتكاري. و قد تمكنت المصارف خلال هذه الحقبة من تحقيق عوائد متزايدة بسبب:

           أ- ارتفاع الهوامش الربحية، حيث كانت المصارف تتقاضى على قروضها هوامش مجزية، حتى من كبار العملاء، مقابل هوامش تصل إلى (10) نقاط في هذه الأيام.

          ب- ارتفاع نسبة ودائع الطلب، ذات الكلفة المنخفضة، ضمن موارد المصرف، حيث كانت ودائع الطلب للشركات الكبرى تشكل حوالي (30%) من القروض، مقابل (5%)هذه الأيام.

    ** الفترة من 1980- 1990:

          تميزت هذه الفترة بتراجع الوساطة المالية، و هي الفلسفة الأساسية التي قامت عليها فكرة المصارف، نتيجة موجه من التحرر المالي العارم، و التي أدت إلى دخول منافسين جدد على جانبي الموجودات و المطلوبات.  

         فعلى جانب الطلب، حدث الالتقاء المباشر بين المودعين و كبار المقترضين دون وساطة المصارف. و بسبب الكفاءة المالية، التي أصبح يتمتع بها كبار المقترضين، و بسبب الضعف الذي أصاب الهياكل المالية للمصارف نتيجة لأزمة ديون الدول النامية، تمكن هؤلاء المقترضين من التوجه مباشرة إلى المقرضين في الأسواق القصيرة، و المتوسطة، و الطويلة الأجل.

        و قد تمخضت هذه الحقبة عن إعادة تعريف دور المصارف من دور المحتكر الفعلي لسوق الإقراض بجميع آجاله إلى دور القائم بالإقراض الأقصر أجلا، و الإقراض الأكثر خطورة.

        أما جانب العرض، فقد تأثر بجوانب عديدة، منها:

أ‌-        تزايد عدد المنافسين، بسبب دخول المؤسسات المالية المختلفة مجال الإقراض، الأمر الذي أثر على قدرة المصارف على تسعير قروضها، بما يتناسب و درجة مخاطرها.

ب‌-    تحول المودعين إلى مجالات استثمار مباشرة، بدلا من الإيداع في المصارف.

ج- زيادة في كلفة مصادر التمويل بسبب منافسة المقترضين و مديري الأصول على أموال المودعين، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تراجع ربحية المصارف.

      ** الفترة من 1990 - 1999:

            دخلت الصناعة المصرفية هذه الحقبة و هي تقوم بنفس العمل الذي تعودت عليه، و هو ما توقعه العملاء منها، إنما بطريقة أكثر تقدما. لكن فجأة، و تحت تأثير العوامل التي أعادت صيغة الاقتصاد العالمي بمجمله، ارتفعت توقعات العملاء بشكل كبير، و كان على المصارف أن تقوم بقفزة مماثلة.

           و في تطلع المصارف إلى الأمام، أدركت بأن هناك حقائق جديدة و حقائق قديمة، جميعها حصيلة الانتشار التكنولوجي، الذي أزال الحدود بيت طرق مناولة المصارف لخدماتها، و بين الصناعات، و بين الأمم؛ هذه القوى معا أفقدت الصناعة المصرفية ميزتها النسبية.

        و قد كان هذا أول تغير أساسي في طبيعة الصناعة المصرفية منذ 300 عام، لأن أساس الحياة فيها انتقل من النقود إلى المعلومات، و انتقلت المصارف من أساس يقوم على العملية (Transaction) إلى ثقافة البيع و التسويق، و التي أخذ ينظر فيها إلى المصرف من حيث قدرته على إضافة قيمة لعملائه. و لم يكن هذا التغيير الأساسي الوحيد، بل تعدى ذلك إلى صلب العملية المصرفية التقليدية، و هي طريقة تقديم الخدمة، حيث أن ما تعودنا أن نعمله في الفروع فقط نستطيع الآن القيام به من أي مكان في العالم، و أي زمان.

       و بالرغم من أن الصناعة المصرفية بدأت هذه الحقبة بأرباح مرتفعة، إلا أن ذلك لم يمنع توقعات التراجع المهمة في ربحية المصارف في السنوات القادمة لأمرين اثنين، الأول يتعلق بالموجودات، و الآخر يتعلق بالمطلوبات.

      فعلى جانب الموجودات، يتعرض الائتمان المقدم من المصارف للتراجع. و قد تأكد بأن ظاهرة التراجع هذه ليست أمرا طارئا ناتجا عن تردد المصارف في الإقراض بسبب خبراتها السيئة في أواخر الثمانينات، بل كان نتيجة التقادم التدريجي(Gradual Obsolescence) لدور المصارف في مجال الإقراض، و نتيجة للمنافسة الشديدة من المصادر الأخرى.

     أما على جانب المطلوبات، فتتعرض المصارف أيضا لظاهرة تراجع قاعدة الودائع بسبب المنافسة التي تتعرض لها من صناديق إدارة الموجودات.

 العوامل التي أثرت على الصناعة المصرفية خلال الربع الأخير من القرن الحالي:

       تأثرت الصناعة المصرفية خلال الربع الأخير من هذا القرن بمجموعتين من العوامل الخارجية و الداخلية.

-                فمن الخارج، كانت التغيرات الهيكلية في بنية الاقتصاد العالمي التي شهدتها فترة الثمانينات و مطلع التسعينات، و التي جاءت نتيجة عولمة الأسواق و التمويل، و خلق كتل إقليمية مثل الاتحاد الأوروبي  و منظومة دول NAFTA، و بروز الاقتصاديات حديثة التصنيع في كل من جنوبي شرق آسيا و أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى استعمال تكنولوجيا جديدة في تصميم المنتجات و تصنيعها، فزادت حدة المنافسة، و تنامي الضغط على الأسعار، و تعمقت الحاجة إلى السرعة في تطوير المنتجات ذات دورة الحياة القصيرة، فشكلت هذه العوامل في مجملها ملامح النظام الاقتصادي العالمي الجديد.

      و قد كانت الصناعة المصرفية هي الأكثر تأثرا بهذه التغيرات من بين مختلف القطاعات الاقتصادية، لأنه، إلى جانب هذه الضغوط العامة، تعرضت الصناعة المصرفية لمنافسة أكثر حدة من تلك التي سادت القطاعات الاقتصادية الأخرى، و ذلك بسبب التحرر من القيود في الأنشطة و الأسعار.    

-                أما من الداخل، فقد كانت البداية عندما أطلقت Merrill Lynch في منتصف عام 1975 فكرة حساب إدارة النقد "Cash Management". و في ذلك الحين، لم يكن عند المصرفيين الرؤيا الكافية ليدركوا بأن هذا الأمر كان بداية لفكرة عدم التوسط Disintermediation، التي غيرت وجهة الصناعة المصرفية.

                و لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تلاها في بداية الثمانينات إطلاق فكرة "التحرر

          من القيود" Deregulation، الأمر الذي أضاف أيضا لحدة المنافسة من مؤسسات

          جديدة لم يكن يسمح لها بممارسة أنشطة تمارسها المصارف.

      هذا المناخ أجبر الصناعة المصرفية في مختلف أنحاء العالم، و في دول العالم الصناعي بشكل خاص، على تبني تغيرات جذرية تشمل مختلف جوانبها. و كانت هذه التغيرات من الأهمية بحيث تركت آثارا هامة على مختلف مؤسسات الوساطة المالية، و من الشمول بحيث تضمنت إدخال نظم معلومات و اتصالات جديدة و تغييرات جذرية كبيرة في هيكلة هذه المؤسسات. ليس هذا فحسب، بل أدى التوسع في المنافسة في أسواق متحررة من القيود إلى ظهور سلع و خدمات جديدة، كما أدى إلى خلق مؤسسات مالية تتصف بكبر الحجم، و اتساع الأسواق، و التركيز على بيع المنتجات العديدة.

      كما أدى نفس المناخ أيضا إلى إحداث تطورات جوهرية في أسلوب التمويل، حيث تزايدت الأوراق المالية على حساب القروض التقليدية، و اتسعت حرية تقديم و تسعير الخدمات و تحمل إدارة المخاطر، و انتقلت المصارف العالمية الكبيرة من الأعمال التقليدية، المتمثلة بقبول الودائع و الإقراض، إلى التداول في الأوراق المالية، و صنع الأسواق، و القيام بدور مصارف الاستثمار، و توفير السيولة الاحتياطية، و تعزيز المراكز الائتمانية الآخرين. و صاحب ذلك كله، انتقال بعض بنود الميزانية إلى خارجها، و امتداد نشاط المصارف المحلية إلى العديد من الأسواق الإقليمية و العالمية الأخرى.

      لقد أدى الاستمرار في سياسات الانفتاح و التحرر إلى تزايد مستمر في التحديات و المصاعب التي تواجه الصناعة المصرفية في الدول المتقدمة. و قد كان تنامي أهمية سوق رأس المال الأمر الأكثر بروزا، لتهديده الجدي لدور المصارف التقليدي في الوساطة المالية.

و لم تنجح أسواق رأس المال في تطوير أدوات مالية بديلة لما تقدمه المصارف فحسب، و إنما بكلفة أقل و كفاية أعلى. و هذا الأمر وضع المصارف مرة أخرى أمام الحاجة لأن تكون قادرة على المنافسة بفعالية، بالموازنة مع مؤسسات الوساطة المالية، و تجاه الأسواق الرأسمالية، و أن تكون قادرة على دخول حدود كلاهما.

     و كنتيجة حتمية لكل ما تقدم، بدأت الصناعة المصرفية حول العالم تفقد جزءا بعد جزء من حصتها السوقية لمؤسسات الوساطة المالية الأخرى، نتيجة لحدة المنافسة، و للتغير في طبيعة عمل المصارف نفسها. مثل هذا الوضع، قاد المصارف إلى التساؤل عن مستقبلها، كما تجرأ البعض على القول بأن فكرة الصيغة التقليدية للمصارف قد ماتت. و عزز هذه الجرأة في القول، فقدان المصارف للصفات التي سبق و ميزتها عن المؤسسات المالية الأخرى، خاصة و أن النشاط الرئيس لمؤسسة الوساطة المالية، الذي هو تحويل الموجودات المالية من شكل إلى آخر، أصبح يمارس من قبل العديد من مؤسسات الوساطة المالية، لا المصارف وحدها. فالأوراق التجارية(Commercial Papers)، أصبحت تصدر مباشرة دون وساطة، مقلصة بذلك دور المصارف في مجال الإقراض القصير الأجل، كما تولت مصارف الاستثمار الجزء الأكبر من القروض الكبيرة و إصدارات الأسهم، و كذلك بدأ منتجو السلع المعمرة يأخذون حصتهم من الكعكة.

     كرد فعل على هذه التطورات المتلاحقة، بدأت المصارف بإعادة النظر في طرق المنافسة التقليدية التي سارت عليها طويلا، كما قامت بإعادة صياغة إستراتيجيتها، و إصلاح نظمها الإدارية و التنظيمية، و تحسين أساليب التسويق المتبعة فيها، إلى جانب التركيز على إدارة المخاطر، و تعزيز مراكزها المالية. كما ركزت أيضا على الابتكار و الإبداع المالي(Financial Innovation).

     لقد تفاوت رد فعل المؤسسات المصرفية تجاه تحدي ظهور أسواق رأس المال، و تطويرها لمنتجات مالية بديلة للمنتجات المصرفية التقليدية. فبعض المصارف اختارت التركيز على قطاع المفرق(Retail)، و البعض اكتفى بدور جزئي في أسواق رأس المال، و البعض الآخر تبع عولمة الأسواق و بحث عن دور بينها، إما بمفرده، أو بالتآلف مع آخرين.

     هذا، و يلاحظ أن التطور في الصناعة المصرفية كان نتيجة حدة المنافسة بالدرجة الأولى، و حصيلة لحاجة السوق و المستهلكين بالدرجة الثانية. و منذ تراجع الحماية التي كانت تتمتع بها المصارف، و الصناعة تعمل بأقصى جهدها لمواجهة المنافسة القاسية من المؤسسات غير المصرفية و من أداء بورصات الأسهم.

      إن تحديات الأداء التي تواجه الصناعة المصرفية كبيرة، و يمكن تعريفها من الناحية الأساسية، بأنها الحاجة إلى مواجهة متطلبات المنافسة في مجالات المنتجات و الأسواق الرأسمالية. فمن منظور الأسواق الرأسمالية، يجب أن تحظى قدرة المصارف على خلق القيمة لمساهميها بعناية كبيرة. أما العناية الأكبر، فيجب أن توجه إلى محتويات المحفظة، و استراتيجيات التكتل، و العلاقة مع العملاء، لأن كل هذه النقاط معا تشكل فرصا يجب أن تعطى العناية المطلقة في إدارتها.   

ما هي النتائج؟

      قبل الإجابة على هذا السؤال، علينا أن نعترف، إذا أردنا أن نكون أمناء مع أنفسنا، بأن المصارف فقدت جزءا هاما من حصتها السوقية، لأنها لم تكن راغبة في مواجهة حقيقة هامة

و هي أن العملاء اليوم يريدون شيئا يختلف عما تعرضه المصارف عليهم. و بعد تجاهل من المصارف لهذه الحقيقة، استمر عشرات السنوات، تحاول الآن استدراك ما فات بكلفة و جهد عاليين.

     و هنا، سأشير إلى بعض الإحصائيات من السوق المصرفي الأمريكي، ليس باعتباره السوق الأكثر تطورا فحسب، و إنما الأهم أيضا، من حيث وفرة المعلومات، و الأسبق في مجال التطور، و قوة الأثر الذي يتركه على الأسواق الأخرى. و هنا أريد أن أشير بأن المدى الزمني الذي أخذه التطور في السوق الأمريكي سوف لن يكون نفسه في أي سوق في العالم اليوم، مهما كان مستوى تطوره، و ذلك بسبب سرعة انتقال المعرفة عبر مختلف دول العالم، عدا عن الحاجة الملحة للتغيير.

     في مقالة لمجلة(Fortune) بتاريخ 2/11/1995، أشير إلى أن حصة ما كان موجودا في المصارف، من إجمالي الموجودات المالية للمؤسسات المالية الأمريكية في عام 1980، كانت (54%)، انخفضت إلى (32%) في عام 1995، كما بينت أن نسبة ما يودعه العملاء في المصارف انخفض من (34%) إلى (17%) لنفس الفترة.

     و في مصدر آخر، أشير إلى أن (90%) من عمليات الوساطة المالية كانت في سنة 1910 تتم من خلال المصارف. أما في عام 1998، فقد انخفضت هذه النسبة إلى (25%). كذلك كان دخل مصرف Chase Manhattan من الفوائد في مطلع الثمانينات يشكل(80%) من مجمل دخله، في حين تراجعت هذه النسبة في عام 1998 إلى (52%)، و ذلك لحساب الدخل من العمولات. كذلك تراجع عدد المؤسسات المالية في الكثير من بلدان العالم، و زاد تركز الخدمات المالية:

 

البلد

عدد المؤسسات

المالية

 

السنة

الانخفاض لغاية

عام 1995

حصة المصارف

الخمسة الأكبر

من الأصول

فنلندا

631

1985

44%

74%

فرنسا

1.033

1984

43%

47%

ألمانيا

5.355

1980

35%

17%

بريطانيا

598

1980

81%

86%

النرويج

346

1980

57%

58%

   رد فعل الصناعة المصرفية:

         في مثل هذا المناخ الذي تقود فتها احتياجات العملاء توجهات المصارف و مسارات التطور لديها، أدركت المصارف أن قواعد اللعب اختلفت، و أن عوامل النجاح في العمل المصرفي أصبحت تتحدد على النحو الآتي:

-          التركيز على القدرات البيعية و التسويقية، و الاهتمام الشديد برغبات العملاء،

     و أفضلياتهم، و احتياجاتهم المتكاملة.

-          البحث عن الائتلافات الإستراتيجية، للتعويض عن نقاط الضعف الذاتية في بعض المنتجات، و التركيز على التفوق في المجال الذي تتخصص فيه المؤسسة.

-          إصلاح متواصل للنظم الإدارية و التنظيمية، لأجل تسريع و تحسين عملية اتخاذ القرار بمرونة تتناسب و التغيرات المتسارعة في هيكل السوق.

-          الاهتمام بالمسؤولية الاجتماعية، و تطوير أخلاقيات العمل المصرفي. فالمؤسسة التي تسعى إلى تعظيم الربحية فقط، ستجد صعوبة في المحافظة على البقاء.

-          تطوير أنشطة البحث و التطوير، لأجل تعزيز قدرة المصرف على إيجاد منتجات جديدة في المجالات التي يتمتع فيها بميزات نسبية.

-          التأكيد على خدمة العملاء.

-          تخفيض كبير في تكلفة إنتاج الخدمات، سواء على مستوى الفرع، أو على مستوى المنتج.

-          تحسين واضح في إدارة المخاطر.

      و ضمن الجهود الأخرى التي تبذلها الصناعة المصرفية استعدادا لدخول القرن القادم، سرت موجه عارمة من الاندماجات التي لم تنته بعد، لمواجهة المنافسة القادمة من كل الجهات، سعيا وراء مجموعة من الميزات النسبية التي تعزز مكانتها، مثل:

     -  توظيف ميزة الحجم لغرض حضور فعال في الأسواق.

     -  استعادة القدرة على التسعير المربح للخدمات.

     -  زيادة الحصة السوقية، دون الخوض في تجربة الأسواق الجديدة.

     -  تعزيز القدرة على تقديم خدمات متكاملة للعملاء دفعة واحدة.

     -  تركيز شديد على الدخل من العمولات(Free Income)، لتخفيف الاعتماد على الدخل من

        القروض التي يتذبذب الطلب عليها حسب الدورات التجارية، إلى جانب تأثر الدخل فيها

        بالقروض غير العاملة.

      و يمكن اختصار ما تقدم، بأن الصناعة المصرفية تشهد الآن تغيرا في توجهها الاستراتيجي، فإعادة الهيكلة المسيطرة الآن على الصناعة ستستمر حتى مطلع العقد القادم، و بعدها نتوقع للتوجه الاستراتيجي أن يأخذ منحنى جديدا مختلفا عن ذلك، إذ سيتم الانتقال من التجمع (Consolidation) لأجل البقاء، إلى إعادة الهيكلة لأجل الأداء. 

قوى التأثير على مستقبل الصناعة المصرفية:

      هناك العديد من العوامل التي تؤثر على الصناعة المالية في العالم، و تؤثر على تحديد مسارها الجديد، و هي:

-          الانتقال من جمع الودائع و استثمارها إلى إدارة الثروات للآخرين.

-          الانتقال من الإقراض إلى عمليات أسواق رأس المال.

-          ضرورة تعويض ضيق هوامش الربح بدخل الخدمات.

-          الانتقال في تسعير الخدمة من الكلفة، مضافا إليها الهامش الربحي، إلى السعر، مطروحا منه كلفة الإنتاج.

-          كثرة المنافسين من خارج الصناعة المصرفية(مثل السوبر ماركت و مقدمي خدمة الانترنت).

-          تضاؤل المسافات بين مقدمي الخدمات المالية، حيث اقترب المصرف التجاري، و مصرف الاستثمار و مديرو الصناديق من بعضهم كثيرا.

-   تغير كبير في كلفة الإنتاج، حيث تنخفض الكلفة بالهاتف بنسبة 50% عنها في الفرع التقليدي، و إلى الربع باستعمال الصراف الآلي ATM، و إلى 1% باستعمال الإنترنت.

-          أهمية التكنولوجيا، و أثرها على حجم العمل، و طريقة تقديمه، و كلفة إنتاجه.

-          تراجع الحاجة إلى رؤوس الأموال الضخمة في المصارف، بسبب تزايد دور الوساطة المالية.

-          التوجه السريع جدا نحو الخدمات المالية الإلكترونية(Internet Banking).

 واقع القطاع المصرفي الأردني:

      في الوقت الذي يتراجع فيه دور المصارف في الدول المتقدمة، بسبب منافسة المؤسسات المالية الأخرى في مجالات الاستثمار و التمويل، و توجه المقترضين المباشر إلى المقرضين، لا زال الجهاز المصرفي الأردني المصدر شبه الوحيد للتمويل، بسبب ضعف و محدودية سوق رأس المال و مؤسساته، و عدم قدرته على توفير مصادر تمويل كافية إلى جانب ما تقدمه المصارف.

     هذا التفرد الطويل في مجال تقديم الائتمان، مكن الجهاز المصرفي الأردني من أن يحقق نموا كميا و نوعيا، و جعل منه أحد أهم القطاعات الاقتصادية في الأردن و أكثرها تقدما، من حيث معدلات النمو و النشاط، و مستوى التطور، و الاستخدام التكنولوجي و المعلوماتي. لكن هذا التفرد سيبقى مهددا، إذا لم تتمكن المصارف الأردنية من إعادة اكتشاف دورها الجديد في ضوء ما يستجد على السوق المصرفي من انفتاح، و ثورة معلوماتية، و منافسة من كل الجوانب.

     و على الرغم من أن القطاع المصرفي الأردني هو أعمق الآن من أي وقت مضى، إلا أنه لا زال، بالمفهوم الحديث للعمل المصرفي، قطاعا تقليديا، معظم وحداته صغيرة الحجم، و تكلفة الإنتاج لديه مرتفعة، الأمر الذي حد من قدرتها على زيادة الخيارات المتاحة للمدخرين

و المستثمرين على حد سواء. كما أدى الازدحام في سوق محدودة، بسبب المبالغة في التفرع، إلى التأثير سلبيا على الهوامش الربحية، و بالتالي القدرة على الاستثمار المناسب في الموارد البشرية و التكنولوجيا الحديثة.

     و على رغم الحاجة الملحة إلى وجود وحدات مصرفية أقل عددا و أكبر حجما، إلا أن ضرورات الاندماج لم تلق بعد رد الفعل المناسب، على الرغم من أنه سيكون من الصعب على وحدات الجهاز المصرفي الأردني، خاصة الصغيرة منها، الاستمرار في مثل هذا الوضع، أو الاستفادة من المزايا التي تتيحها عملية الانفتاح و التحرير التدريجي للقطاعات المالية الدولية، كما لن يكون بمستطاع العديد من هذه الوحدات العمل خارج الحدود التي أخذت تنفتح أمام الجميع.

    و أقصى ما يخشى على الجهاز المصرفي الأردني، هو أن يكون مرد عدم استجابته لعوامل التحدي المحيطة به هو شعور خاطئ بأنه ما زال يعيش في ذهنية الحماية و احتكار السوق التي تعود عليها لخمسين عاما مضت، بينما تتعدد الأنظمة و التشريعات والاتفاقيات التي تسمح للمؤسسات المالية الأجنبية بتملك المؤسسات المالية الأردنية، أو فتح فروع في الأردن، أو تقديم الخدمات المالية من خارج الحدود، الأمر الذي سيشكل تحديا حقيقيا، و منافسة جدية للمصارف الأردنية، لم تعد العدة المناسبة لمواجهتها.   

تأهيل القطاع المصرفي للانفتاح:

      منذ سنوات، و الجهاز المصرفي الأردني، يخضع للعديد من الإجراءات و التنظيمات و التشريعات الهادفة إلى تعزيز قدراته المالية، و توسيع عمله، و تنويع الخدمات التي يقدمها.

و قد توجهت الجهود أولا نحو إعادة هيكلة القطاع، و إعادة التوازن إليه من خلال تعزيز رؤوس أموال مؤسساته، إلى جانب جهود كبيرة في تدريب كوادره. و من ثم، توجهت الجهود الإصلاحية نحو المناخ العام، حيث تم تحرير أسعار الفائدة، كما تم تخفيف القيود المفروضة على المصارف التجارية لتمكينها من القيام بدور واسع في الوساطة المالية، كل ذلك لأجل خلق سوق مالي متطور، بشقيه النقدي و الرأسمالي.

     لقد تمكنت الموجة الأولى للإصلاح من تعزيز بنية الجهاز المصرفي و إخضاعها لرقابة محكمة. أما الموجة الثانية من الإصلاح، فلا زالت تعمل بنجاح محدود على زيادة كفاءة السوق و تعزيز تنافسيته. فالسوق النقدي متواجد بحده الأدنى، و السوق الرأسمالي أقرب منه إلى عدم الوجود(باستثناء البورصة).

     و على رغم أن الجزء التنظيمي الخاص بالانفتاح قد تم إنجاز معظمه، إلا أن الجزء الموازي، و المفروض تحقيقه من قبل المصارف(تفعيل سوق رأس المال)، لم يسر بالمستوى المطلوب. فالسوق لا زالت تنقصه الكثير من الكفاءات الإدارية و الفنية و المنتجات المتعددة، و الكافية لإطلاق كفاءته. و هناك من يلام، إلى جانب المصارف، في عدم المساهمة في الإسراع في إطلاق قوى السوق بكفاءة أفضل:

    -  فأجهزة التدريب المصرفي، التي لم تنجح في إعداد الكوادر اللازمة لقيادة التطوير بسبب طريقة و نوعية تدريبها، بقيت تقليدية، و لا تحكمها منهجية شمولية و هدف محدد، إلى جانب عدم تركيزها على الاحتياجات، بقدر تركيزها على مظهرية التدريب. و هنا أدعو إلى إعادة صياغة أسس التدريب و فلسفته و أهدافه، و ربطها أكثر بالاحتياجات الوظيفية، مع ارتقاء بالنوعية ضمن منهجية محددة الأهداف.

    -  تدني المستوى الفني لبعض القيادات المالية في مؤسسات الأعمال، و ضعف دورها في صنع القرار، أثر سلبيا على إدخال المنتجات المالية الجديدة، و ذلك بحكم أفكارها التقليدية، و تفضيلها للمنتجات القديمة بسبب بساطتها و معرفتها بها.

 كيف نواجه التحديات المستجدة؟

       كمثل أية صناعة مصرفية في العالم، تواجه الصناعة المصرفية في الأردن تحديات عديدة ناتجة عن توجهات التحرر و الانفتاح، و المنافسة من الداخل و الخارج، و ثورة المعلومات و الاتصالات، التي غيرت من طبيعة العلاقة بين المصارف و عملائها. و ستضع هذه التطورات المتعاظمة و المتسارعة في مدها مصارفنا في مواجهة غير مسبوقة مع مؤسسات أكبر حجما و أكثر خبرة. و مع ذلك، بمستطاعنا، خلال فترة التكيف القصيرة التي ما زالت أمامنا، أن نخفف من حدة المنافسة القادمة إذا ما أسرعنا بالقيام بما علينا القيام به.

      إن مواجهة تحدي المنافسة من قبل القطاع المصرفي يتم بالسير بمثل ما تسير عليه الأسواق المالية في العالم، حيث واجه العديد من المؤسسات هذا التحدي بمجموعة من الإجراءات، منها:

أ‌-        تكوين وحدات كبيرة، من خلال الاندماج، لخلق مزيد من القيمة و الكفاءة.

ب‌-    الانتشار الجغرافي خارج الحدود.

   ج- تكوين تحالفات واسعة مع منتجي خدمات أخرى.

    د- استثمار كبير في الموارد البشرية.

    ه- استثمار واسع جدا في التكنولوجيا و أنظمة الاتصالات، لتعزيز القدرة الإنتاجية،

        و تخفيض كلفتها.   

    و- إبداع مالي مستمر.

      و في هذا المجال، أقول للمؤسسات المصرفية الصغيرة، التي تتردد في الاندماج بسبب ارتباطها بمصالح إدارتها بأكثر من ارتباطها بواقعها و مستقبلها، بـأن عليها الإسراع في ذلك، قبل أن تجد نفسها مجبرة عليه. 

و نحن على أبواب القرن الحادي و العشرين:

       سيشهد العقد القادم قفزات هائلة في نظام الاتصالات العالمي مع استمرار الانخفاض في تكاليفه. و سيؤدي هذا، بدون أدنى شك، إلى تغير جذري في طريقة قيام الأفراد و المؤسسات بأعمالهم، و بطريقة نقل الأموال و المعلومات. و من المؤكد أن يؤدي هذا التطور إلى تراجع الدور البشري في الخدمات المالية و إلى نمو كبير في المنتجات الإلكترونية، و الخدمات المالية، عن بعد و نظام المدفوعات القائم على شبكة Internet. و هذه التطورات بمجملها ستؤثر على طريقة تكيف مقدمي الخدمات المالية لأجل المحافظة على عملائهم. هذا، و يعتقد الكثير من المصرفيين أن المعركة القادمة على اكتساب العملاء ستكون على شبكة الانترنت، و ربما تكون هذه هي المعركة الأخيرة للعديد من المؤسسات المصرفية. و إن كان هناك لا شك حول قدرة الكثيرين على البقاء بغير هذه المعركة، لكن لا شك أيضا بأن التحديات التي ستواجههم ستكون آتية و كبيرة.

      إن الصناعة المصرفية، بوضعها الحالي، لا يمكن لها أن تستمر كما هي عليه خلال القرن القادم، لأن المصارف التي حققت ربحها في الماضي من جمع النقود، و حفظها، و إقراضها، ستواجه بوضع لن يكون فيه نقود تجمعها و تحافظ علها، و ذلك عندما تنتقل إلى المجتمع غير النقدي، حيث ستختفي النقود العادية و تحل محلها النقود الإلكترونية. في هذه الحقبة، لن تحتاج المصارف لجمع الأموال و حمايتها، و بذلك ستختفي مظاهر المصارف التي تعودنا عليها من أبنية محصنة، و قضبان حديدية، و سيارات نقل مصفحة، كما أن التعامل لن يكون شخصيا، بل سيكون من خلال أجهزة الكومبيوتر، من أي مكان، و في أي زمان.

     فخلال عام 1999، أصبح(90%) من المصارف الأمريكية الكبيرة تقدم خدمات كاملة عن طريق الانترنت(Internet). و مع بداية العام 2000، سيكون هناك ما يزيد عن 1000 مصرف في العالم تقدم خدمات مصرفية إلكترونية. لقد أعرب (35%) من قطاع الأعمال الأمريكي عن رغبته في استخدام Internet Banking بحلول عام 2000، كما يتوقع أن يتم ثلث أعمال التجزئة المصرفية من خلال هذه الخدمة، و ذلك بحلول عام 2005.

     في تحد واضح للصناعة المصرفية، قال Bill Gates "إن المصارف ديناصورات تواجه الانقراض" ، و قد أخذت بعض المصارف هذا التحذير على أنه دعوة تحد للصناعة المصرفية. فإما أن تأخذ المصارف الريادة في تطوير التكنولوجيا اللازمة لتقديم خدماتها في القرن الحادي و العشرين، أو أن تكتفي باستعمال تكنولوجيا الآخرين، و تبقى أسيرة لهم.

 

الخلاصة:

       إن التطور المتسارع في الصناعة المالية، و وسائل تقديمها لخدماتها و منتجاتها، جعل القضايا التي تواجه المصارف الآن تختلف جذريا عن تلك التي كانت قبل سنوات قليلة، فالاستجابة لاتجاهات السوق و لموضوع الأداء لأجل البقاء أخذت تحتل الأولوية على ما عداها. ليس هذا فحسب، بل إن المصارف تواجه الآن بمطالب متعارضة من المساهمين، و الموظفين، و المجتمع. و في هذا المناخ الذي تبرز فيه الضغوط من كل جانب، لا يوجد مكان للتغيير البطيء، إذ لا بد من التغيير الجوهري السريع.

      إن العزف البطيء الذي يسير عليه التطور في مؤسساتنا المالية لن يؤدي بنا إلى النتيجة المرجوة، و ليست هناك إلا خطوة قصيرة، سيبدأ بعدها المستثمرون بدخول الأسواق لمنافستها على الودائع، لأن المقترضين سيتعلمون كيف يتوجهون مباشرة إلى أصحاب الفوائض ليتجنبوا كلفة الوساطة المالية. و مثل هذا التوجه، سيؤدي بها إلى رفع كلفة الأموال على المصارف،

و بالتالي تقليص هوامشها الربحية، الأمر الذي سيؤدي بها إلى البحث عن مصادر دخل أخرى لتحسين عوائدها. لكن لا زال أمام الصناعة المصرفية متسعا قليلا من الوقت لاستباق هذه المنافسة، من خلال المبادرة و الاستجابة لاحتياجات العملاء المالية حتى تقطع الطريق أمام المنافسين الذين ينفذون عادة من ثغرات القصور.

     إن الدور الاحتكاري الذي تتمتع به المصارف الأردنية لن يطول أبدا. و إذا لم تتمكن المصارف من التلبية الشاملة لاحتياجات عملائها، فإن قوى السوق ستخلق العديد من المؤسسات المنافسة، و بذلك تكون المصارف قد أسهمت في خلق منافسيها.

     و من المنظور الشامل، على المصارف، الراغبة في الاستعداد الجاد للقرن القادم، أن تعتنق مذاهب التغيير و أن تتلاءم و حقائقه، كما عليها أن تدرك أهمية رأس المال البشري، لأنه في السنوات الماضية التي ركزت فيها المصارف على التكتل و إعادة الهيكلة، نظرت في معظم الأحيان إلى القوى البشرية على أنها التزامات، لا موجودات. و عندما شدد المحللون على تحسن مؤشرات الأداء، استجاب المدراء بتخفيض الوظائف حيث أمكن لأجل الاستمرار.

      إن التوقع بأن ينخفض عدد المصارف الأمريكية خلال العشرين سنة القادمة، من (11) ألف إلى (3) آلاف مصرف،أطلق المجال لما يمكن تسميته بالداروينية المصرفيةDarwinian Banking و تعني البقاء للأفضل. أي أن المصارف، التي تستطيع أن تستجيب لمتطلبات الأسواق، و تعزز حصتها السوقية بالاستجابة لاحتياجات عملائها، هي التي ستعيش و تزدهر.

     إذا أرادت المصارف الصراحة مع نفسها، عليها أن تعترف بأن ما تقدمه من حصة سوقية كان بسبب عدم رغبتها بالاعتراف بحقيقة أن العملاء أصبحوا يريدون شيئا يختلف عما تقدمه. لقد تغيرت احتياجات العملاء، و أصبحت أكثر تعقيدا. و مع ذلك، لا زالت المصارف تعرض عليهم نفس المنتجات القديمة.

     على الصناعة المصرفية التوقف عن إضاعة جهودها في الدفاع عن الرقعة الضيقة المتبقية من السوق، كما عليها أن تبذل جهودها لتطوير أسلحة هجومية للتقدم، و استعادة الأرض المفقودة، و حتى اكتساب مواقع جديدة. و أقول لمن يعتقدون بأن التغيرات التي حدثت في الماضي كانت جذرية، عليهم أن ينظروا و يروا ما سيحدث في المستقبل.

   

 

عودة للقائمة

Site Navigation

 مفلح عقل في سطور

السيرة الذاتية
أهم الشهادات
ألبوم صور

 كتب منشورة

 مقـــالات منشورة

 كلمات مفلح عقل

 أبحاث منشورة

 لمراسلتنا

Quick Search


 

كتاب وجهات نظر مصرفية (ج1)

كتاب وجهات نظر مصرفية (ج2)

كتاب الفوائد - أسعار الفوائد

كتاب مقدمة في الإدارة المالية

البنوك الإسلامية

تنافسية القطاع المصرفي

   
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
       
     
 
Copyright © 2005 MuflehAkel.com,  All rights reserved.