اليورو و دوره المتوقع
في النظام المالي العالمي
محاضرة ألقيت في جامعة
آل البيت/كلية الاقتصاد و العلوم الإدارية
21/11/1998
المقدمة
ستشهد الأسواق المالية في مطلع العام
القادم حدثا اقتصاديا غير مسبوق في أهميته،
و هو انطلاق عملة اليورو، التي ستكون العملة
الموحدة لأحد عشر قطرا أوروبيا، و التي تشكل
الموجة الأولى في الوحدة النقدية الأوروبية.
و قد تم تحقيق هذا الإنجاز السياسي و
الاقتصادي في آن واحد بعد جهد بدأت خطواته
الأولى عام 1950، و منذ ذلك الحين، و لسنوات
قادمة أخرى، و الجهود مستمرة بكل العزم و
الإخلاص لتحقيق هذه الغاية.
إن ما تحقق لم يكن إلا حصيلة إرادة
سياسية، بالدرجة الأولى، مدفوعة بعوامل
اقتصادية.
و قد أدت هذه الإرادة السياسية إلى نقل قوة
القرار من الدول القومية في المجموعة
الأوروبية إلى مؤسسات الاتحاد، كل ذلك ضمن
جهد منسق يوازن بين تعميق الأهداف و الاتساع
في المشاركة.
لقد أسفر خلق الاتحاد النقدي الأوروبي،
إلى جانب تحقيق عملة واحدة و بنك مركزي
واحد، عن تكوين كتلة اقتصادية عملاقة سكانها
290 مليون نسمة، و ناتجها المحلي الإجمالي
6900 بليون دولار، تسيطر على
21%
من مجمل الصادرات العالمية، و ذلك إذا ما
قصرنا حديثنا عن دول الموجة الأولى الإحدى
عشرة في الاتحاد. و إذا ما شملنا بحديثنا
دول الموجة الثانية المتوقعة(اليونان، و
بريطانيا، و السويد، و الدانمارك)، يصبح عدد
سكان الاتحاد 375 مليون نسمة، و الناتج
المحلي الإجمالي له 8600 بليون دولار، مقابل
267 مليون نسمة، وناتج محلي إجمالي مقداره
7600 بليون دولار، و
19.6%
من التجارة العالمية للولايات المتحدة
الأمريكية.
إن هذه الكتلة الاقتصادية و التجارية
الكبيرة ستساوي أيضا
38%
من الناتج المحلي الإجمالي لدول
OECD،
بينما تساوي الولايات المتحدة
33%
منها، و ستكون ثاني أكبر سوق للأسناد
الحكومية. هذه الحقائق و الأرقام تشير إلى
أن عملة اليورو ستفرض نفسها كعملة رئيسة في
العالم.
و على رغم أن دول الاتحاد الأوروبي
ستتخلى عن عملتها الوطنية، و على رغم أن
الاتحاد سيؤدي إلى خلق سوق واحدة للسلع و
الخدمات على مدى دوله، إلا أنه لن يخلق
اتحادا سياسيا بين هذه الدول، حيث ستكون
ممارستها المشتركة في السياسة الخارجية
محدودة.
لقد تعددت الاجتهادات و ثار الجدل حول
مدى تأثير إصدار عملة اليورو في الأسواق
المالية المحلية، و الإقليمية، و الدولية،
إلا أن معظم الآراء تجمع على أن هذا الإصدار
لن يكون شأنا أوروبيا خاصا، و إنما سيكون له
انعكاسات كبيرة و عديدة على مجمل النظام
الاقتصادي العالمي.
نظرة تاريخية:
يرجع تاريخ الوحدة النقدية الأوروبية
إلى عام 1950، عندما أسس نظام / اتحاد
الدفع الأوروبي(EUROPEAN
PAYMENT UNION)،
كي يتولى عمليات الدفع المتعددة الأطراف في
أوروبا خلال فترة ما بعد الحرب. و قد تبع
إنشاء هذا النظام تأسيس المجموعة الاقتصادية
الأوروبية(EUROPEAN
ECONOMIC COMMUNITY/EEC)
في لوكسمبورج عام 1958. و في تاريخ
27/12/1958، تم إعلان كل العملات الأوروبية
الرئيسة، و من ضمنها المارك الألماني الذي
كان مقيدا بسعر صرف ثابت منذ عام 1931،
كعملات قابلة للتحويل بصورة كاملة.
هذا، و قد قامت لجنة خاصة، تحت رئاسة
رئيس وزراء لوكسمبورج، بإصدار خطة لتوحيد
أوروبا اقتصاديا و نقديا في شهر أكتوبر من
عام 1970. و في شهر إبريل من عام 1972، قرر
مجلس المجموعة الاقتصادية الأوروبية تحديد
هامش تقلب عملات دول المجموعة بنسبة لا
تتجاوز
2.5%
سلبا أو إيجابا، و أن على البنوك المركزية
الأوروبية أن تحافظ على هذا الهدف بالطرق
المناسبة. و بهذا، تمت ولادة ما يسمى بنظام
ثعبان العملات الأوروبية، و الذي شارك فيه
كل من بلجيكا، و فرنسا، و ألمانيا، و
إيطاليا، و لوكسمبورج، و هولندا. و قد شاركت
كل من بريطانيا و فرنسا في شهر فبراير من
عام 1973 و شهر مارس من عام 1976 على
التوالي، و ذلك في أعقاب الاضطرابات التي
سادت أسواق سعر الصرف خلال تلك الفترة.
و في عام 1975، تم الإعلان عن وحدة
النقد الأوروبية(ECU)
كعملة اصطناعية، حيث ترتبط مختلف العملات
الوطنية التابعة للمجموعة الأوروبية بوحدة
النقد هذه، بنسب تتفاوت حسب حجم اقتصاد
الدولة المعنية و أهميته. و قد تغير هذا
الوضع عقب قرار المجموعة الاقتصادية
الأوروبية، في شهر حزيران من عام 1978،
القاضي بتأسيس نظام النقد الأوروبي الذي دخل
حيز التنفيذ ابتداء من كانون الثاني لعام
1979. منذ ذلك التاريخ، أصبحت وحدة النقد
الأوروبية(ECU)
وحدة النقد الرسمية لنظام النقد الأوروبي.
هذا، وقد تم الاتفاق على أن يكون هامش
التقلب في عملات الدول المشاركة، مقابل
النقد وحدة الأوروبية، عند مستوى
2.25%
سلبا و إيجابا، و بحد أقصى غير عادي يصل إلى
6%.
و بناء على اتفاقيات نظام النقد الأوروبي،
فإن نسب العملات الوطنية للدول المشاركة،
إلى سلة عملات النقد الأوروبية، يتم
مراجعتها و تعديلها كل خمس سنوات، و هو أمر
تم تعليقه عندما تم تفعيل الاتحاد النقدي
الأوروبي في 1/11/1993.
الطريق إلى اليورو:
يعود التفكير الجدي بإقامة نظام نقدي
موحد لدول أوروبا إلى عقد الستينات، و ذلك
عقب المشاكل التي تعرض لها النظام النقدي
العالمي، حيث اصطدمت الخطة الرامية لتحقيق
الوحدة النقدية في أوروبا في ذلك الوقت
بأزمة انهيار الدولار الأمريكي و وقف تحويله
إلى ذهب، الأمر الذي أدى إلى إشاعة جو من
الاضطراب في أسواق الصرف العالمية.
و قد استمرت المحاولات و الجهود من جانب
دول أوروبا، باستثناء بريطانيا و اليونان،
للوصول إلى نظام نقدي موحد، حيث تم الاتفاق
في عام 1979، على إنشاء وحدة النقد
الأوروبية (European
Currency Union/ECU)
كأساس للنظام النقدي الأوروبي. هذا، وقد تم
إنشاء وحدة النقد الأوروبي النقد الأوروبية،
و هي عبارة عن سلة تحوي كمية محددة من عملا
ت الدول الأعضاء بنسب تختلف حسب الوضع
الاقتصادي لكل دولة، لتستبدل الدولار في
التسويات و المعاملات الخارجية بين الدول
الأعضاء.
هذا، و قد أدى تعرض بعض العملات
الأوروبية لعدو أزمات و صعوبات إلى تخلي بعض
الدول الأعضاء، مثل بريطانيا و إيطاليا، عن
نظام وحدة النقد الأوروبي (ECU)،
الأمر الذي دفع بوزراء مالية المجموعة
الأوروبية إلى السماح بتعويم العملات
الأوروبية، و تجميد آلية سعر الصرف المتبعة.
و قد جاءت اتفاقية ماستريخت (Maastricht
Treaty)
في بداية عام 1992 لتشكيل الأساس في قيام
الوحدة الأوروبية و تعزيز التقارب الاقتصادي
و السياسي، حيث تضمنت تلك الاتفاقية استبدال
العملات المحلية للدول الأعضاء بعملة
أوروبية موحدة(وحدة النقد الأوروبي) يتم
إصدارها من خلال البنك المركزي الأوروبي، و
ذلك بحلول عام 1999 و على مدى ثلاث سنوات.
هذا، ويجب على الدول الأوروبية الراغبة
في الانضمام للاتحاد النقدي أن توفر عدة
شروط و معايير أساسية وردت في معاهدة
ماستريخت، من أهمها توفر معايير التلاقي أو
التقارب (CONVERGENCE)،
و تشمل المتطلبات الآتية:
-
أسعار صرف مستقرة ضمن هامش ميكانيكية سعر
الصرف لسنين.
-
ألا يزيد معدل التضخم السنوي لأي دولة راغبة
في الانضمام على ما نسبته
1.5%
عن المعدل السائد لأفضل ثلاث دول.
-
ألا يزيد عجز الموازنة العامة للدولة
المعنية على
3%
من الناتج المحلي الإجمالي.
-
ألا يزيد مجموع المديونية العامة للدولة على
60%
من الناتج المحلي الإجمالي.
-
ألا يزيد معدل سعر الفائدة طويل الأجل على
2%
عن معدل التضخم لدى الدول الثلاث الأقل
تضخما.
و يشترط توافر تلك المعايير في الدولة
الراغبة في الانضمام للاتحاد، و ذلك وفقا
لأرقامها و إحصائياتها كما في نهاية عام
1997.
استنادا إلى هذه المعايير، أصبحت الدول
الآتية مؤهلة للعضوية، وهي:
بلجيكا، و النمسا، و فنلندا، و فرنسا، و
لوكسمبورج، و ايرلندا، و هولندا، و ألمانيا،
و البرتغال، و إسبانيا و إيطاليا. أما الدول
التي لم تؤهل، فهي اليونان، و بالنسبة
الدانمارك، و السويد، و بريطانيا، فهي لم
تطلب العضوية، و لكن يتوقع لها الانضمام ما
بين عامي 2002 و 2003.
هذا، و يشار هنا إلى أن تشدد السياسات
الحكومية في دول أوروبا، الراغبة في
الانضمام إلى الاتحاد بهدف الوصول إلى تلك
المعايير، أدت إلى قيام تلك الدول بتخفيضات
كبيرة في معدلات الإنفاق العام، و رفع أسعار
الفائدة، الأمر الذي أدى إلى حدوث مشكلات و
اضطرابات عمالية، كما حدث مؤخرا في فرنسا و
ألمانيا.
و قد أبدت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد
بعض التحفظات على إمكانية تحقيق الدول
الغنية في الاتحاد مكاسب أكثر على حساب
الدول الأقل غنى، و بالتالي انتقال الثروة
من الفئة الثانية إلى الفئة الأولى، إلى
جانب إمكانية سيطرة بعض الدول القوية
اقتصاديا على باقي الدول الأعضاء، و عجز بعض
الدول الفقيرة نسبيا في تحسين مؤشراتها
الاقتصادية، و تحقيق الأهداف المرجوة من
الاتحاد.
الجدول الزمني لليورو:
|
|
التاريخ |
الإجراء |
|
فترة
ما
قبل
التحول |
عام
1998 |
- اختيار الدول الأعضاء(ألمانيا، و
فرنسا، و إيطاليا،
و إسبانيا، و بلجيكا، و هولندا، و
البرتغال، و النمسا،
و ايرلندا، و فنلندا، و
لوكسمبورج)/مايو 1998.
- إعلان اليورو رسميا كعملة موحدة، و
إعلان سياسة
إدخال اليورو في الأسواق النقدية و
غير النقدية.
- سيتم خلق البنك المركزي الأوروبي، و
تعيين الهيئة
الحاكمة له.
- سيتم التحويل إلى اليورو بين
31/12/1998 و يوم المتاجرة
الأول من عام 1999، و الذي يصادف يوم
4/1/1999،
و يطلق على هذه الفترة(conversion
weekend)
حيث
سيتم خلالها ما يأتي:
1- التحديد النهائي لسعر التحويل بين
العملات الوطنية،
و اليورو(1/1/1999).
2- إمكانية تحويل المراكزPositions
بالعملات
المحلية إلى اليورو.
3- إعادة تحديدRedenomination
بعض الأوراق
الماليةSecurities.
4- تشغيل أنظمة البنية التحتية،
مثلEuropean
System of Central Bank
و تشمل نظام البنوك المركزية
الأوروبية، نظام المقاصة
الآلي، و جمعية المصارف الأوروبية.
5- تحويل نظام صرف الEMU
إلى اليورو.
6- بدء تحديد أسعار الصرف بين اليورو
و العملات الأخرى
(4/1/1999).
7- ستبدأ الأسواق بالتعامل باليورو
اعتبارا من مطلع عام 1999. |
|
فترة
التحول |
عام
1999 |
- العمل بقاعدة لا إجبار و لا منع(No
Compulsion No Prohibition).
- تثبيت أسعار صرف العملات الأوروبية
مقابل اليورو على أساس سعر
إقفال كل عملة مقابل الECU
كما في 31/12/1998.
- يصبح اليورو عملة الدول المشاركة، و
يحل محل
ECU
بنسبة 1:1.
- سيبدأ نظام المصارف المركزية
الأوروبية بالعمل.
- إصدار الدين الحكومي سيكون باليورو.
- عمليات المصارف بالجملة و عمليات
التسوق تتم باليورو، بينما تبقى
العمليات
الصغيرة و عمليات المفرق بالعملة
المحلية(Wholesale
Banking Conversion).
- حرية المؤسسات للتعامل باليورو.
- ينتظر الأفراد حتى عام 2002
لاستعمال اليورو بعملياتهم. |
|
عام
2002 |
- إصدار عملات اليورو الورقية و
المعدنية، و البدء في تداولها، جنبا
إلى
جنب، مع باقي العملات الوطنية للدول
الأعضاء.
- إنهاء التعامل بالعملات الوطنية
للدول الأعضاء، و فقدانها لصفتها
القانونية في 1/7/2002.
- سيتوقف العمل بقاعدة لا إجبار و لا
منع.
Retail banking conversion -. |
|
فترة
ما بعد
التحول |
عام
2003 |
- سيكون اليورو العملة القانونية
الوحيدة.
- تحديد طريقة لتثبيت سعر الصرف. |
مؤسسات الاتحاد النقدي الأوروبي:
أ-
المصرف المركزي الأوروبي(European
Central Bank/ECB):
سيحل هذا المصرف محل معهد النقد
الأوروبي، و سيكون البنك المركزي الوحيد
لدول الاتحاد، و يتمتع باستقلالية تامة تجاه
الحكومات الوطنية، سيكون مقره في مدينة
فرانكفورت. هذا و سيكون للبنك المركزي
الأوروبي هيئة تنفيذية مكونة من رئيس، و
نائب رئيس، و أربعة أعضاء آخرين، لا يمكن
تغييرهم من قبل أي من حكومات الدول الأعضاء
في الاتحاد قبل مرور ثماني سنوات على عملهم.
أما مجلس الإدارة، فيتكون من ممثلي البنوك
المركزية للدول المشاركة.
و ستكون مهمة البنك المركزي الأوروبي
تحديد أسعار الفائدة، و مراقبتها، و التأثير
في مقدار السيولة المحلية بهدف السيطرة على
التضخم، حيث سيكون ذلك من مسؤولية مجلس
الإدارة و الهيئة التنفيذية للبنك، و بصوت
واحد لكل منهم. هذا، و ستكون حكومات الدول
الأعضاء خاضعة لتعليمات هذا البنك المركزي،
كما و سيكون هذا البنك المصدر الوحيد لليورو.
و باختصار، فإن دور هذا البنك سيكون
تقرير السياسات، أما البنوك المركزية
الوطنية، فستكون مسؤولية عن الإجراءات
المتعلقة بعمليات الأسواق. لكن القضية التي
لم تتضح بعد هي: هل سيكون هذا المصرف المقرض
الأخير للمصارف في الاتحاد الأوروبي؟
ب- نظام المصارف المركزية
الأوروبية(European
System of Central Banks):
يتكون
هذا النظام من
البنك المركزي الأوروبي، و من البنوك
المركزية الوطنية للدول المشاركة في الاتحاد
النقدي.
الآثار المتوقعة لليورو:
يوجد كثير من الاهتمام لنتائج هذا
الحدث التاريخي لدول الاتحاد، و للعالم
أجمع. و برغم أن التعامل الدولي بالعملة
الجديدة سيكون محدودا نسبيا خلال الفترة
الأولى لاستعماله، إلى جانب صعوبة التحول
كليا عن الدولار إلى اليورو، كون الدولار
تحركاته باتت مدروسة و مفهومة لدى جميع
المتعاملين فيه، إلا أن اكتساب هذه العملة
للمصداقية اللازمة بعد ذلك سيجعلها عنصرا
مهما في تسوية معاملات التبادل التجاري، و
محافظ الاحتياطات الدولية.
هذا، و يتعزز الاعتقاد بقدرة اليورو على
منافسة الدولار، و الاستحواذ على حصة كبيرة
من حجم العمليات العالمية و الدولية، إذا ما
علمنا الآثار التي ستتركها تلك العملة
الجديدة على المؤسسات التجارية و الصناعية،
و هي:
1-
تقليص كلفة التعامل بالعملات الأجنبية.
2-
التقليص من مخاطر العملات داخل دول الاتحاد
الأوروبي.
3-
زيادة حدة المنافسة بين المصارف.
4-
سرعة انتقال الأموال.
5-
سهولة إدارة الحسابات بالمصارف.
6-
توفير مصادر التمويل بسبب انفتاح أسواق دول
الاتحاد على بعضها بعضا.
7-
تخفيض حجم الخزينة و نفقاتها في الشركات و
المصارف.
و بصورة عامة، يمكن تقسيم الآثار و
الانعكاسات العديدة التي سيخلفها ظهور
العملة الأوروبية الموحدة(اليورو) إلى ثلاثة
مستويات رئيسة، منها الدولية، و الأوروبية،
و الإقليمية.
أولا: الآثار المتوقعة على المستوى العالمي:
1-
سيعزز من سهولة التبادل التجاري بين دول
الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي سيؤدي بدوره
إلى ظهور حالات اندماج بين العديد من
الشركات الأوروبية العاملة في مجالات
متشابهة.
2-
توحيد الأنظمة و التعليمات المنظمة للأسواق
المالية و المصرفية، و ظهور سوق رأسمالية
ضخمة توفر فرص هائلة للاستثمار.
3-
سيعمل البنك المركزي الأوروبي على تحقيق
معدلات نمو اقتصادي حقيقي للدول الأعضاء،
إلى جانب العمل على تخفيض البطالة، و تقليل
التضخم.
4-
ظهور منافسة حادة بين الدولار الأمريكي و
اليورو، خاصة في مجال الحصة في احتياطات
البنوك المركزية العالمية، و الاستثمارات في
المحافظ المالية.
5-
انخفاض الربحية الناتجة عن التعامل بالعملات
الأجنبية المختلفة.
6-
انحسار النظام المالي الحالي القائم على
سيطرة الدولار، و توجه جزء كبير من
الاستثمارات الدولية إلى العملة القادمة
الجديدة.
7-
تطور الاتحاد الأوروبي إلى قوة أكثر تأثيرا
من الناحية الاقتصادية و السياسية.
ثانيا:الآثار المتوقعة في دول التسوق:
سيكون لاعتماد اليورو و إعلانه عملة
موحدة لدول الاتحاد الأوروبي أثر كبير و
مباشر في معاملات السندات، و ذلك في ما
يتعلق بالتسعير، و التقاص، و التسوية، و
التجارة. كما سيكون له أثر ملموس في تحديد
أسعار العملات، و الأرقام و المؤشرات
القياسية، و أسعار الفائدة و أسعار العملات
الثمينة، و الخيارات، و المستقبليات ...الخ.
إلى جانب ذلك، سيكون لهذه العملة
الموحدة أثر كبير في المنتجات المالية ذات
الدخل الثابت، و ذلك عندما يتم تقويمها
باليورو، عوضا عن العملات الأوروبية
الأخرى.
هذا، و سيعمل اليورو على تقليص التباين
في أسعار السلع و الخدمات في مختلف الدول
الأعضاء في الاتحاد النقدي الأوروبي، و
التخلص من مخاطر تقلبات أسعار الصرف بين
العملات الأوروبية، و بالتالي تخفيض تكاليف
عمليات التحوط (Hedging).
و هذه العوامل ستسهم بدورها في زيادة درجة
المنافسة، و تعزيز إمكانيات النمو
الاقتصادي، و رفع معدلات التبادل التجاري و
الاستثمار البيني، و إفادة المؤسسات
التجارية و المستهلكين على حد سواء. هذا في
حين أن المصارف التي تقدم خدمات القطع
الأجنبي ستعاني من انخفاض إيراداتها الناتجة
عن مثل هذه الخدمات.
و في الغالب، سيكون لهذه العملة الجديدة
دور مهم كأداة تسعير، و دفع، و احتياط، و
تنويع المحافظ الاستثمارية، و ذلك في إطار
الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي الأوروبي،
و ذلك في بادئ الأمر، و أيضا لدى الدول التي
لديها روابط تجارية وثيقة معها. و من
المتوقع أن يتوسع استخدام تلك العملة في
بقية أرجاء العالم تدريجيا، و لكن بوتيرة
أبطأ، إذ سيستمر الدولار لاعبا أساسيا في
الاقتصاد العالمي.
و سينشأ، نتيجة لإصدار اليورو، سوق
التعامل النقدية المقومة باليورو ما بين
المصارف الأوروبية، فيما ستتطلب عملية
الاندماج بين المكونات الأخرى للسوق المالية
بعض الوقت، و معها سيتعزز عمق هذه السوق.
كما ستتسارع عمليات الاندماج داخل القطاع
المالي، خاصة بين المصارف و ذلك ضمن نطاق
البلد الواحد، أو عبر الحدود الأوروبية
لتنشأ معها مصارف عملاقة، و هو اتجاه آخذ في
التنامي منذ سنوات.
ثالثا: الآثار المتوقعة في المصارف العربية:
لا شك في أن قيام الوحدة النقدية
الأوروبية سيفرض على المصارف العربية، التي
لديها وجود في أسواق أوروبا، أن تعيد النظر
في إستراتيجية عملها في السوق الأوروبية
الموحدة بما فيها نظم المدفوعات، و
التحويلات إلى نظرائها الأوروبيين، و منافذ
الاستثمار في دول الاتحاد النقدي الأوروبي،
و عدد المصارف المراسلة الأوروبية التي
ستتعامل معها بعد عام 1999، و وجودها
المستقبلي في أوروبا الموحدة.
و بما أن بريطانيا لن تكون عضوا مؤسسا
في الاتحاد النقدي الأوروبي، فستجد المصارف
المسجلة في لندن نفسها في وضع قد لا تستفيد
فيه من تسهيلات الحسم، التي من المقرر أن
يمنحها البنك المركزي الأوروبي الجديد. كما
أن حصول هذه المصارف على ودائع اليورو
للأفراد، ذات التكلفة المنخفضة نسبيا، لن
يكون سهلا، مما سيؤدي إلى زيادة طفيفة في
كلفة تمويل ما لديها من قروض في اليورو،
موازنة مع المصارف التي لها وجود في داخل
الاتحاد النقدي الأوروبي، و خصوصا في أوقات
الحاجة إلى السيولة.
و لكي تستطيع المصارف العربية الاستفادة
لأقصى درجة ممكنة من الفرص التي توفرها
السوق الأوروبية الموحدة، لا بد لهذه
المصارف أن يكون لديها شركات تابعة في الدول
الأوروبية الأعضاء في الاتحاد النقدي، و ليس
مجرد فروع،(Subsidiaries)
و ذلك حتى تعامل هذه الشركات التابعة على
أنها مؤسسات أوروبية، و لا يخفي ما يتطلبه
تحول فرع إلى شركة تابعة من تكاليف كبيرة
لإعادة الهيكلة على الصعد المؤسسية، و
المالية، و الإدارية كافة.
لكن المصارف العربية، التي لديها عمليات
في أوروبا و التي ارتأت أو ترتأي عدم تحويل
أي من فروعها القائمة حاليا إلى شركات
تابعة، ستجد صعوبة في القيام بالعديد من
الأعمال المصرفية في دول المجموعة
الأوروبية. فهذه المصارف ستجد نفسها أمام
قيود على ما تستطيع القيام به من خلال
فروعها في لندن. أو باريس، لأن هذه الفروع
لا تعد مؤسسات أوروبية. و من ناحية التمويل،
ستجد فروع المصارف العربية العاملة في دول
الاتحاد الأوروبي أنها قد تضطر لأن تدفع
أكثر للحصول على ودائع مل بين المصارف، نظرا
لأن هذه الفروع تعطي درجة المخاطر نفسها
الممنوحة للمصارف في البلد الأم، في حين أن
الشركات التابعة لمصارف مؤسسة في أوروبا
سيكون لها درجة المخاطر نفسها الممنوحة
للدول التي توجد فيها.
من ناحية أخرى، سوف تجد المصارف
العربية، الموجودة في دول أوروبا الموحدة،
نفسها أمام تحدي المنافسة في تقديم الخدمات
المصرفية للشركات الكبرى، و ذلك مع المصارف
الأوروبية، أو الأمريكية، أو اليابانية
الموجودة بحجم كبير جدا في أوروبا. لذا،
ستتوجه هذه المصارف للتركيز على قطاع
الشركات الصغيرة و المتوسطة الحجم التي
يتوقع لها أن تستفيد من قيام سوق أوروبية
موحدة. و هنا أيضا، ستجد المصارف العربية
العاملة في أوروبا نفسها أمام منافسة كبيرة
نظرا لمحدودية انتشارها، و معرفتها الأقل
بالسوق، موازنة مع المصارف المحلية خاصة
الإقليمية منها. أما المجالات التي قد تحفل
بنمو كبير، مثل عمليات الاندماج و التملك، و
العمل المصرفي الاستثماري، و الاستثمارات
المالية، فما زالت المصارف العربية ذات
خبرات محدودة في هذا المجال، و غير قادرة
على المنافسة الفعالة فيه.
و سوف تجد المصارف العربية وغيرها،
العاملة في دول الاتحاد النقدي الأوروبي،
نفسها أمام تحدي فقدان الإيرادات الناشئة عن
عمليات الصرف الأجنبي بين دول اليورو، الأمر
الذي سيضعها أمام تحدي البحث عن وسائل و فرص
جديدة لتعويض انخفاض أرباحها.
ليست هناك إستراتيجية واحدة يمكن أن
تتبعها المصارف العربية التي لها وجود في
أوروبا، بل ينبغي على كل مصرف أن يحدد
خياراته الإستراتيجية على ضوء ما يتمتع به
من مزايا تنافسية، و وفقا لتطلعاته بما
يتعلق بالانتشار الخارجي، و مستوى المخاطر
التي هو مستعد لتحملها، و معدلات الربحية
المنشودة، و أهمية الأسواق الخارجية بالنسبة
لخططه في التوسع و النمو، و غيرها من
الأهداف التي ينشد تحقيقها. و ستحدد هذه
التطلعات نطاق انتشار المصرف الجغرافي في
أوروبا الموحدة، و طبيعة الأعمال المصرفية
التي يود ممارستها.
و على الرغم من ذلك، يمكن القول بأنه
بالنسبة للمصارف العربية الكبرى، فإن قرار
التقليص في حجم نشاطها و وجودها في السوق
الأوروبية قد يكون له انعكاسات سلبية على
هذه المصارف أكثر منها على المصارف الصغيرة.
فهذه الفئة من المصارف لا تستطيع أن تبقى في
عزلة عما يجري على الساحة العالمية، خاصة في
إطار حركة العمولة، و التحرر، و الانفتاح
المتنامية في أسواق العالم، و ما يمكن أن
توفره من فرص نمو و أعمال و أرباح.
أما المصارف العربية الأصغر حجما، و
التي لا يتوافر لديها وجود في أوروبا، و لا
تعتزم أن يكون لها مثل هذا الوجود مستقبلا،
فإنه يجب عليها أن تعزز علاقاتها مع مصارف
عربية موجودة في تلك الأسواق، خاصة و أنه
بعد قيام الوحدة النقدية الأوروبية، فلن
يحتاج كل مصرف عربي، إلا إلى مصرف واحد
ليقدم له خدمات المصارف المراسلة.
تأثير العملة الموحدة((اليورو)) في الاقتصاد
الأردني:
تعتبر دول الاتحاد الأوروبي أحد أهم
الشركاء التجاريين الرئيسين للأردن. فعلى
الرغم من أن صادراتنا لتلك الدول لم تتجاوز
7.5%
من مجمل الصادرات، إلا أن وارداتنا منها
بلغت 947 مليون دينار، و شكلت ما نسبته
32.5%
من مجمل استيراد المملكة خلال عام 1997. و
لا شك في أن هذا الحجم من التجارة مرشح
للزيادة بصورة ملموسة، خاصة بعد توقيع
اتفاقية الشراكة ما بين الاتحاد الأوروبي و
الأردن، التي تنص على تحرير التبادل التجاري
تدريجيا،و
إزالة كافة أشكال الحماية الجمركية و الكمية
بين الطرفين.
هذا، و سيعمل إقرار العملة الموحدة، و
تبنيها من قبل جميع دول الاتحاد الأوروبي،
على الحد من الآثار السلبية المترتبة على
وارداتنا و صادراتنا الوطنية نتيجة لتعرض
العديد من العملات الأوروبية لحالات من عدم
الاستقرار و التذبذب. لكن ارتباط الدينار
الأردني بالدولار الأمريكي سيجعل من أي تغير
في قيمة اليورو مقابل الدولار ذا أثر سلبي،
أو إيجابي في شروط التبادل التجاري بين
الأردن و دول الاتحاد الأوروبي.
أما من ناحية أثر العملة الجديدة في
الاحتياطات الأجنبية للأردن، فهو أثر محدود
في المرحلة الحالية، فالعملات الأوروبية لا
تشكل إلا نسبة ضئيلة من مجمل احتياطي البنك
المركزي الأردني من العملات الأجنبية، بينما
يمثل الدولار الأمريكي الحجم الأكبر فيها.
كما يشكل الدولار الأمريكي النسبة الأكبر في
مجموع الودائع الأجنبية لدى المصارف
الأردنية، و يعود هذا التفضيل من حقيقة كون
الدولار العملة الدولية الأولى ذات النصيب
الأكبر في الاحتياطات الدولية، و تدفقات
التجارة و رؤوس الأموال عبر الحدود.
و في ضوء التوقعات للأهمية التي
سيحققها اليورو في النظام المالي العالمي،
يتوقع أن تتوجه السلطة النقدية في الأردن
إلى زيادة حصة اليورو في احتياطات العملات
الأجنبية تدريجيا. كما يتوقع أن ينحو هذا
المنحى بعض المودعين الأردنيين، و لكن بشكل
أقل سرعة.
و يعزز من صحة هذا التوقع الزيادة المنتظرة
في حجم التبادل التجاري بين الأردن و دول
الاتحاد النقدي الأوروبي، خاصة عقب توقيع
اتفاقية شراكة ما بين الطرفين.
أما بالنسبة للمصارف الأردنية، فستبدأ
اعتبارا من بداية العام القادم بفتح حسابات
بعملة اليورو لعملائها، كما ستبدأ بالتعامل
بهذه العملة الجديدة في مختلف تعاملاتها مع
دول الاتحاد الأوروبي. هذا، و سيترتب على
المصارف الأردنية أن تقوم بتدريب موظفيها، و
إعدادهم ليكونوا على اطلاع كامل بالإجراءات،
و التطورات الاقتصادية، و النقدية، الناجمة
عن إعلان اليورو عملة رسمية موحدة لدول
الاتحاد الأوروبي، و كيفية التعامل مع تلك
التطورات.
أما في ما يتعلق بعلاقة المصارف
الأردنية بمراسليها في دول الاتحاد
الأوروبي، فسيكون عليها أن تعمل على إعادة
هيكلة حساباتها، و بشكل يتلاءم و توجهها
للتعامل بالعملة الموحدة ((اليورو))، بحيث
يؤدي ذلك إلى تقليص حساب حوالي 11 عملة
أوروبية، و اختصارها إلى عملة واحدة فقط،
يتم استخدامها لتسوية المبادلات التجارية
الدولية. كما ستقوم بتقليص عدد المراسلين
لها بشكل كبير، حيث يمكن الاكتفاء بمراسل
واحد في دول الاتحاد، و في ذلك اختصار للجهد
و النفقات، و إدارة أكثر كفاية للموجودات.
و من جانب آخر، سيؤدي تغير سعر صرف
الدولار مقابل اليورو إلى تغيير قيمة
الاحتياطات بالدولار، و يزيد من أثر هذه
التغيرات الحجم الملموس لمستورداتنا من دول
الاتحاد الأوروبي، و التي تتجاوز
32%
من إجمالي واردات المملكة. و هذا سبب آخر
سيدفع بالسلطة النقدية إلى تنويع احتياطاتها
من العملات الأجنبية لصالح اليورو، و ذلك
للتخفيف من إثر تذبذب أسعار الصرف.
اليورو كعملة احتياطية:
لتكتسب أي عملة الصبغة الدولية، عليها
أن تحقق ثلاثة شروط رئيسة، و هي:
1-
أن تستعمل في تسعير التجارة و السلع
العالمية على نطاق واسع.
2-
أن تلعب دورا ماليا مهما، بحيث تستعمل على
نطاق واسع للاقتراض و الادخار.
3-
أن تكون مقبولة كعملة احتياط تستثمر فيها
البنوك المركزية بعض موجوداتها، و تنفذ بها
عملياتها.
لقد توافرت هذه الشروط بقوة في الدولار
منذ مطلع القرن الحالي، مما جعله العملة
العالمية الأولى المهيمنة على النظام المالي
الدولي بسبب الاستخدام الدولي المكثف له
كأداة نقدية تستعمل في تسوية المبادلات
التجارية، و كعملة احتياط أساسية، بالإضافة
إلى دوره في الأسواق المالية و النقدية. و
طبقا للمعلومات المتاحة، فإن أهمية الدولار
في تسوية المعاملات الدولية تفوق أهميته
الداخلية في الولايات المتحدة الأمريكية
نفسها.
إن دور الدولار في النظام المالي
العالمي لا شك في أهميته، فهو يشكل
64%
من احتياطات العملات الأجنبية في العالم، و
به تتم ثلاثة أرباع القروض المصرفية، كما أن
39%
من إصدارات الإسناد القائمة هي بالدولار، و
به تتم تسوية
48%
من إجمالي الصادرات العالمية. أما العملات
التي تلي الدولار في الأهمية: المارك
الألماني، ثم الجنيه الإسترليني، و الفرنك
الفرنسي، و الجلدر الهولندي، فهي محدودة
الدور في هذا المجال، و حتى لو أخذت معا فلن
تقترب في مجموعها كثيرا من أهمية الدولار،
لأن مساهمتها في الاحتياطي الدولي لا تزيد
على
19.5%.
أما في مجال الصادرات العالمية، فيعر بها
حوالي
31%
من مجموع تلك الصادرات.
و سيبدأ اليورو بدور دولي أقل أهمية من
أي عملة أوروبية منفردة، و ذلك لأن
الاستعمال الأكبر لهذه العملات هو داخل دول
المجموعة الأوروبية. فالمارك الألماني
يستعمل بشكل أوسع كعملة احتياط في الدول
المشاركة في نظام ميكانيكية سعر الصرف(EXCHANGE
RATE MECHANISM)
بينما جزء مهم من التجارة البينية لدول
الاتحاد الأوروبي تسعر بعملة أو بأخرى من
عملات دول الاتحاد. و بتطبيق الاتحاد النقدي
الأوروبي، تصبح التجارة البينيةو
العمليات المالية بين دول الاتحاد عمليات
داخلية، الأمر الذي سيؤدي إلى انخفاض الطلب
الدولي المتوقع على اليورو. إن إعادة تصنيف
العمليات بين دول الاتحاد إلى عمليات
داخلية، بلا من عمليات دولية، سيؤدي إلى
تراجع حصة عملات الاتحاد في التجارة
الخارجية من31%
إلى
22%.
و إذا ما كان لليورو أن ينافس الدولار
على دوره العالمي، فما عليه إلا أن يحتل
مكانا أكبر خارج دول الاتحاد الأوروبي، و
قبل ذلك عليه تحقيق شروط عملة الاحتياطات
الدولية المتمثلة بأسواق مالية و نقدية
واسعة، و نظام مصرفي متطور، و دور مهم في
التجارة الدولية.
و مع أن اليورو سيتاح له مثل هذه
الشروط، إلا أنه ليس من الضرورة أن يتمكن
بشكل سريع من احتلال مكانة الدولار، لأن
للدولار دورا متعمقا في التجارة الدولية و
الأسواق المالية في العالم أجمع، و عادة لا
يغير المتعاملون إلى عملة جديدة، إلى إذا
وجدوا سببا مقنعا لذلك.
إن الحقائق الاقتصادية السائدة الآن
تقول بأنه لا يتوقع أن يشكل اليورو تحديا
للدولار في أسواق أمريكا اللاتينية و
الآسيوية، التي تتمتع بصلات تجارية مع
أمريكا أوسع من تلك التي لها مع أوروبا،
الأمر الذي يعني بقاء الدولار بمنأى عن حلول
اليورو محله في هذه المنطقة من العالم، و
بقائه عملة العمليات، و الاحتياط، و
الاستثمار في هاتين المنطقتين. كما سيبقى
الدولار العملة الرئيسة لتسعير السلع
الأساسية في العالم مثل النفط، و كذلك السلع
التي تحتل فيها أمريكا مكانة المنتج أو
المستهلك الأكبر.
و مع ذلك، سوف لا يكون بإمكان الدولار
الاعتماد على أمجاده الماضية، لأن اليورو
سيؤدي إلى توسيع سوق دول الاتحاد و تعميقها.
و بهذا، سيقدم للمستثمرين المؤسسين و البنوك
المركزية بديلا موثوقا لسوق سندات الحكومة
الأمريكية، لأن القدرة على التعامل بحجم
أوسع، و استحقاقات متعددة في أسناد حكومة
الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى إقناع
المستثمرين بما فيها الدول الآسيوية و
اللاتينية للتوسع في استثماراتهم الأوروبية
على حساب استثماراتهم في الدولار.
بشكل عام، يمكن القول بأنه يتوقع أن
تتمكن عملة اليورو من الحد من هيمنة الدولار
على النظام الاقتصادي و النقدي العالمي. و
سوف يتمثل ذلك في الدور المتزايد الذي ينتظر
اليورو في التجارة العالمية، و على صعيد
التوظيفات و الودائع، حيث يتوقع أن يزداد
تأثير اليورو في التجارة العالمية، و بشكل
خاص على صعيد صادرات السلع الصناعية، بسبب
احتلال بلدان الاتحاد الأوروبي المكانة
الأولى في هذا النوع من التجارة.
و في ما يتعلق بالتوظيفات و الودائع، فمن
المرجح أن يزداد حجمها باليورو على حساب
الدولار الأمريكي، حيث إن المؤشرات
الاقتصادية الإيجابية في بلدان الاتحاد
النقدي الأوروبي ستزيد من فرص النمو و
التشغيل. و من جملة ما ينطوي عليه ذلك،
التمتع ب(يورو) قوي و مستقر، يحظى بثقة
المودعين و المستثمرين، حيث سيشكل ذلك حافزا
لهؤلاء لزيادة استثماراتهم و حجم ودائعهم في
البلدان المذكورة. هذا، و يتوقع أن سيصل
نصيب اليورو من مجمل حجم الودائع العالمية
إلى
30%
بلا من
14%،
الموجودة حاليا بعملات بلدان الاتحاد
الأوروبي. غير أن تحقيق ذلك يتطلب مرحلة
انتقالية يرتبط طولها بمدى النجاح الذي
تحققه بلدان الاتحاد النقدي الأوروبي على
صعيد الاندماج السياسي و الإصلاحات
الاقتصادية.
الخلاصة:
خلاصة القول، من المتوقع لليورو أن
يكون خلال القرن القادم عملة دولية لها
أهمية توازي على الأقل أهمية الدولار
الأمريكي. و بهذا الحدث، سينتقل الاقتصاد
العالمي من الاعتماد على عملة رئيسة واحدة
إلى الاعتماد على عملتين هما اليورو و
الدولار. و يعتمد القائلون بهذا الرأي على
أن الاستقرار الذي سيتمتع به اليورو سيكون
نتيجة للسياسات التي التزم بها البنك
المركزي الأوروبي، إلى جانب أن اليورو سيكون
مدعوما باقتصاد و اسع و مستقر.
كما يستند هؤلاء على التطور الذي طرأ
على مكانة الدولار خلال العشرين عاما،
الممتدة من عام 1976- 1996، حيث يشيرون إلى
تراجع أهمية الدولار في الاحتياطات الدولية
من
76.5%
إلى
59%،
و انخفاض عدد العملات المرتبطة بالدولار
بمقدار يزيد على النصف من
43%
إلى
21%.
أما سوق إصدار الأسناد بالدولار، فقد تراجع
من
63%
إلى
48%
، بينما ارتفعت حصته من العملات الأوروبية
من
22%
إلى
38%.
إن القرن الحادي و العشرين سينقلنا إلى
مرحلة جديدة من التاريخ الاقتصادي العالمي،
و إذا ما كان من المبكر الحديث عن حقبة
اليورو، فإننا بالتأكيد نستطيع الحديث عن
تراجع حقبة الدولار.