|
المشاكل والمعوقات التي تواجه البنوك
في تمويل قطاع الإنشاءات
إعداد:
مفلح محمد عقل
عضو مجلس الإدارة المنتدب / جمعية البنوك في
الأردن
مقدمة إلى الندوة الثانية لتطوير قطاع
الإنشاءات
6،5 – 2/2003
مقــدمة:
يعتبر قطاع المقاولات والإنشاءات من بين
القطاعات الاقتصادية الهامة من حيث معدلات
النشاط، استيعاب العمالة وإيجاد فرص
التشغيل، التداخل مع القطاعات الاقتصادية
الأخرى، القيمة المضافة والمساهمة في الناتج
المحلي الإجمالي. ورغم تأثر هذا القطاع
سلبياً بالظروف الاقتصادية غير المواتية
خلال
بعض
سنوات التسعينات، إلا أنه لا يزال يحتل
مكانة هامة في الاقتصاد الأردني، ولا يزال
أداءه يؤخذ كمؤشر على نمو باقي القطاعات
الاقتصادية العاملة في المملكة.
تميز أداء القطاع في مطلع التسعينات بمعدلات
نمو مرتفعة من النشاط والفعالية، حتى وصلت
مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي خلال هذه
الفترة إلى نحو 9%، كما استطاع أن يستوعب ما
يقل قليلاً عن 10% من مجمل القوى العاملة في
المملكة. ورغم التراجع في معدلات مساهمة هذا
القطاع في النمو الاقتصادي خلال النصف
الثاني من عقد التسعينات وبداية العقد
الحالي، إلا أن مساهمته في الناتج المحلي
الإجمالي بسعر الكلفة الثابت اتسـمت مؤخراً
بالاستقرار النسبي، إذ بلغـت 5.5% في عام
2001 مقابل 5.1% في عام 2000. أما معدل حجم
العمل السنوي في هذا القطاع خلال الفترة
1995/2001 فقد بلغ (920) مليون دينار.
يدرك الجهاز المصرفي تماما دور
هذا
القطاع الاقتصادي الهام، ولذلك قام ولا يزال
يقوم بدور مناسب في دعمه وتنشيطه وتقديم
التمويل له. لكن لا بد الاعتراف بأن التمويل
المقدم حتى هذه المرحلة قد اقتصر على
التمويل البسيط والمباشر، ولم يدخل بعد
أشكال التمويل الأكثر تعقيداً. لكن التطورات
الاقتصادية المتلاحقة والاهتمام بدور القطاع
الخاص ومساهمته في مشاريع البنية التحتية
مثل الكهرباء والمياه والاتصالات، جعلت
البنوك الأردنية تبدو أكثر استعداداً
وتطلعاً لتقديم تمويل للمقاولين مختلف عن
الماضي من حيث الحجم والنوع والمدة خاصة
عندما يكون موضع الاعتبار مشروعاً من مشاريع
البنية التحتية المقامة على أساس
B.O.T
ومصدر هذا التحول في التفكير هو نضوج فكرة
تمويل المشاريع القائمة على جدوى المشروع
ودخله لدى البنوك واستعدادها للدخول فيه
والبداية الأولى في هذا المجال هي مشروع
خربة السمرا كما أن مشروع جر مياه الديسي
سيكون التجربة الثانية للبنوك الأردنية في
هذا المجال، وليس هذا فحسب بل بدأت تقدم على
تولي دور المستشار المالي للمقاولين
الراغبين في الدخول في مثل هذه المشاريع أو
المستثمرين الذين يرغبون في تشغيلها وهذا
يشكل انتقالاً نوعياً وكمياً في نوعية
التفكير وطريقة التمويل للمقاولين.
وتأكيداً على ما قلته حول أهمية قطاع
المقاولات في الاقتصاد الأردني، أدرج بعض
الإحصاءات حول القيمة المضافة لهذا القطاع
وأهميته في الناتج المحلي الإجمالي على مدى
السنوات الخمس الماضية:
(بالمليون دينار)
|
|
1997 |
1998 |
1999 |
2000 |
2001 |
|
القيمة المضافة بالسعر الجاري |
240.5 |
214.6 |
207.1 |
203.9 |
227.2 |
|
معدل النمو بالسعر الثابت |
-7.9% |
-17.0% |
7.0% |
1.9% |
11.1% |
|
المساهمة في
GDP |
6.3% |
5.1% |
5.3% |
5.1% |
5.5% |
|
عدد الشركات الإنشائية المسجلة |
61 |
75 |
82 |
86 |
74 |
|
رؤوس أموال الشركات الإنشائية |
3.3 |
5.6 |
4.9 |
7.3 |
3.9 |
|
استهلاك الإسمنت (ألف طن) |
2253.7 |
2246.4 |
2232.9 |
2188.7 |
2417.7 |
|
الرقم القياسي لإنتاج الحديد |
82.9 |
72.3 |
87.8 |
80.4 |
98.7 |
|
عدد رخص البناء الممنوحة |
14838 |
15971 |
15371 |
17925 |
21248 |
|
المساحة المرخصة (ألف م2) |
4496.9 |
4097.2 |
4473.0 |
4912.5 |
6071.9 |
المصــدر:
البنك المركزي الأردني
–
التقرير السنوي لعام 2001.
أخذ القطاع يشهد منذ بداية عام 1993 تراجعاً
ملموساً في معدلات الأداء حيث انخفضت أعداد
رخص البناء الصادرة بنسبة 22.3% مقارنة بعام
1992 وتراجع مجموع المساحات المرخصة بنسبة
35.3% خلال نفس العام ، واستمرت تلك
المؤشرات بالتراجع خلال السنوات اللاحقة لكن
بنسب أقل لغاية عام 1999 حيث بدأت معاودة
النمو.
أثر العوامل الاقتصادية العامة على قطاع
الإنشاءات:
بعد الطفرة التي شهدها قطاع المقاولات في
بداية عقد التسعينات، والتي وصلت ذروتها
خلال عام 1995عندما بلغ حجم العمل في هذا
القطاع إلى أكثر من (1.3) بليون دينار
أردني، أخذ القطاع يشهد تراجعاً متواصلاً
حتى عام 1999 حيث وصل النشاط إلى أدنى مستوى
له، إلا انه شهد في العامين الأخيرين تحسنا
ملحوظا ليرتفع في عام 2001 إلى نحو (1.1)
بليون دينار. وسلوك نشاط هذا القطاع على هذا
النحو كان مفسراً في مرحلة الطفرة بأزمة
الخليج وكان مفسراً في مرحلة التراجع بتواضع
معدلات النمو التي حققها الاقتصاد الأردني.
|
النمو الحقيقي في الناتج المحلي
الإجمالي |
حصة القطاع
الخاص من الإجمالي |
حجم العمل في قطاع المقاولات (مليون
دينار) |
|
|
| |
|
الإجمالي |
القطاع الخاص |
القطاع العام |
|
|
3.9% |
64.2% |
1325 |
850 |
475 |
1995 |
|
|
1.0% |
83.6% |
1196 |
1000 |
196 |
1996 |
|
|
3.3% |
82.9% |
905 |
750 |
155 |
1997 |
|
|
3.0% |
63.6% |
944 |
600 |
344 |
1998 |
|
|
3.1% |
15.8% |
165 |
26 |
139 |
1999 |
|
|
4.2% |
80.0% |
857 |
686 |
171 |
2000 |
|
|
4.2% |
76.9% |
1112 |
855 |
257 |
2001 |
|
المصدر: نقابة مقاولي الإنشاءات الأردنيين/
التقرير السنوي لعام 2001
ولم تقتصر مشكلة قطاع المقاولات في مرحلة
التراجع على مشكلة الحجم الكلي وعدد
المنافسين المحليين، وإنما أضيفت إليها
مشكلة مزاحمة شركات المقاولات الأجنبية حيث
تقدر حصة المقاول الأجنبي في هذا السوق ما
يعادل 38.9% من الإجمالي.
إن تزايد حصة المقاولين الأجانب في سوق
الإنشاءات والمقاولات الأردني هو نتيجة
استحواذ المقاولين الأجانب على عقود بناء
عدد من المشاريع الكبيرة وذلك لخبرتهم
وقدراتهم التنفيذية الكبيرة ومواردهم
المالية الضخمة مقابل محدودية الإمكانيات
المالية والفنية المتاحة للمقاولين المحليين
بالإضافة إلى اشتراط حكومات الدول الممولة
لمشاريع الدولة دخول مقاولين أجانب في
المناقصات والعطاءات المحالة للتنفيذ.
المنافسة في قطاع المقاولات ونتائجها:
استناداً إلى الإحصائيات المستقاة من وزارة
الأشغال ومن نقابة المقاولين فان عدد
المقاولين الأردنيين قد بلغ في نهاية عام
2001 (1572) مقاولاً، في حين بلغ إجمالي
قيمة العطاءات الحكوميـة المحالة خلال
الشهور التسعة الأولى من هذا العام (132.8)
مليون دينار موزعة على (595) عطاء، أي بمعدل
(223) ألف دينار للعطاء الواحد و (84) ألف
دينار للمقاول الواحد. وهذا يدل على ضآلة
حجم العمل المتاح داخل السوق الأردني وحصة
المقاول الواحد من هذا العمل. وهذا دليل على
أن الغالبية العظمى من المقاولين يعملون
بأقل كثيراً من طاقاتهم الإنتاجية، وأن حجم
العمل المتاح لمعظمهم يقل أيضاً عن الحجم
الاقتصادي، وحتى يقل عن مستوى التعادل في
كثير من الحالات. في مثل هذا المناخ
التنافسي، والذي يتصف بمحدودية فرص العمل،
كيف لا يشعر المقرضون بالقلق؟
ومن النتائج التي ترتبت على المنافسة
وانخفاض حجم العمل - مقاساً بالمعدل للعطاء
الواحد أو بالمعدل للمقاول الواحد – هي
محدودية إيرادات العاملين في هذا القطاع
الأمر الذي ينعكس سلبياً على مراكزهم
المالية وعلى قدراتهم في الاستثمار بالمعدات
والأنظمة والموارد البشرية ومثل هذا الوضع
ينعكس على علاقاتهم مع البنوك.
وعلى الجانب المؤسسي، وإن كانت لا تتوفر لدى
البنوك معلومات كافية عن الموارد المالية
المتاحة للمقاولين وأوضاعهم القانونية، إلا
أننا نعتقد بأن مواردهم المالية منفردين
ومجتمعين متواضعة لا تصل في مجموعها إلى
مستوى شركة مقاولات عالمية متوسطة الحجم.
أما بالنسبة للهياكل القانونية، وانطلاقاً
من معرفتنا بعدم وجود شركة مساهمة عامة
واحدة في القطاع، يمكن القول دون مجازفة بأن
معظم شركات المقاولات الأردنية هي مشاريع
فردية صغيرة الحجم ذات عمر محدود يرتبط في
معظم الأحيان بعمر المؤسس، وفي حالات قليلة
تمتد إلى الأبناء، وبالتالي فإن تراكم
الخبرة يبقى محدوداً في هذا القطاع الأمر
الذي ينعكس أيضاً على إمكانية الحصول على
التمويل المناسب.
خبرة البنوك في تمويل المقاولين:
لقد بدأت البنوك في تمويل المقاولين بحذر
وبطرق لا تتناسب وطبيعة هذا النشاط، وقد كان
ذلك بسبب محدودية الخبرة والمعرفة الفنية.
أما الآن فقد اختلفت الصورة تماماً وأصبحت
البنوك بحكم ما تراكم لديها من خبرات
واستعانتها بمهندسين أكثر إقداماً على هذا
المجال من التمويل.
عندما أقدمت البنوك في الماضي على تمويل
المقاولين كانت تتطلع إلى الرضى الاجتماعي
الذي قد يعود عليها عندما يرى الجمهور أدلة
مادية على مساهمة أموال المصارف في رفاهيته،
أما الآن فإن الإقدام منطلق من أهمية القطاع
في الناتج المحلي ومن كم الفرص التي يتيحها
هذا القطاع للبنوك وبعد أن تأكدت من قدرتها
على تفهم طبيعة هذا القطاع واحتياجاته
بالشكل المناسب.
ومع ذلك وبالرغم من أن البنوك الأردنية قد
مرت بتجارب مريرة في تمويل هذا القطاع وخسرت
أموالاً طائلة فيه إلا أنها لا زالت تقدم
تمويلاً سخياً له، ويؤكد ذلك نمو التسهيلات
المصرفية المقدمة لقطاع الإنشاءات بصورة
متزايدة خلال الفترة 1992/2001 وبنسبة
متوسطة بحدود 5.2% سنويا رغم تراجع حجم
النشاط والعمل في هذا القطاع.
ويبين الجدول التالي نمط النمو في التسهيلات
المقدمة لقطاع المقاولات خلال الفترة من
1992 - 2001 والأهمية النسبية لهذه
التسهيلات من إجمالي التسهيلات البنكية
الممنوحة:
|
النمو في تسهيلات
قطاع المقاولات |
تسهيلات الجهاز المصرفي / مليون دينار |
السنة
|
|
الأهمية النسبية |
إجمالي القطاعات
|
قطاع المقاولات |
|
6.2% |
20.9% |
2218.3 |
463.2 |
1992 |
|
10.9% |
19.6% |
2616.9 |
513.7 |
1993 |
|
33.7% |
21.1% |
3248.4 |
687.0 |
1994 |
|
10.3% |
20.4% |
3705.7 |
757.4 |
1995 |
|
2.7% |
19.8% |
3920.3 |
777.8 |
1996 |
|
0.1% |
19.6% |
3979.7 |
775.2 |
1997 |
|
1.7% |
18.5% |
4285.3 |
791.4 |
1998 |
|
-4.0% |
17.0% |
4466.0 |
758.7 |
1999 |
|
-2.0% |
16.4% |
4546.5 |
744.9 |
2000 |
|
-2.2% |
14.7% |
4948.9 |
728.9 |
2001 |
المصــدر: البنك المركزي الأردني
–
التقرير السنوي لعام 2001.
بالاستناد إلى الأرقام السابقة يمكن القول
بأن قطاع المقاولات قد حصل على حصة من
التسهيلات المقدمة للاقتصاد القومي بنسبة
تفوق كثيراً نسبة مساهمته في الناتج المحلي
الإجمالي. لقد أقدمت البنوك على تمويل هذا
القطاع على الرغم من بعض التجارب غير
السارة.
دور البنوك التجارية في تمويل قطاع
المقاولات:
قلنا، في المراحل الأولى لبروز هذا القطاع
وتطوره المؤسسي واجهت بعض البنوك بعض
التجارب غير السارة في تمويل هذا القطاع
والتي تعزى بالدرجة الأولى لمحدودية خبرة
البنوك في هذا المجال من التمويل وعدم
معرفتها الكافية لطبيعة النشاط الذي يمارسه
المقاولين ومخاطره فكانت أن تكبد بعضها
خسائر جعلتها تتردد في التوسع في تمويل هذا
القطاع.
أما من جانب المقاولين فقد كانوا بتلك
الفترة أقل مؤسسية وأقل تنظيماً ومعرفة فنية
كما كانوا أقل موارد مالية الأمر الذي أدى
إلى مواجهتهم بعض الصعوبات والعوائق في
القيام بأعمالهم، ولا شك أن الأوضاع
الداخلية للمقاولين كانت سبباً في ذلك، لكن
يجب أن لا يصرفنا ذلك عن المشاكل التي تسببت
للمقاولين من قبل أصحاب العمل سواء تلك التي
تتعلق بانتظام الدفعات وعدم التوازن في عقود
المقاولة وعدم وجود قناة سريعة وسهلة لحل
النزاعات.
والآن تعود البنوك إلى تمويل هذا القطاع
باستعداد أكبر إذ أنشأت أقساماً فنية يديرها
مهندسون لديهم المعرفة والقدرة على التعامل
مع المقاولين والتحدث بلغتهم، أما على جانب
المقاولين فقد أصبحوا أكثر خبرة وأكثر
تنظيماً واتخذوا منهجاً علمياً في العمل. إن
هذا التطور على الجانبين معاً جعل من
إمكانية الالتقاء بين الطرفين أفضل وأسهل من
السابق وهذا ما جعلني أن أشير بأن البنوك
مقدمة على تمويل المقاولين بطرق ومبالغ
مختلفة كثيراً عما قامت به في الماضي. لكنني
أريد التأكيد على أهمية قيام المقاولين
بالاهتمام في أمورهم المالية وأن يتبعوا
منهجية واضحة في تقديم البيانات المالية
للبنوك حتى تسهل من عملية اتخاذ القرار، كما
أن عليهم وفي نفس المستوى من الأهمية أن
يهتموا بكوادرهم الإدارية، كما أريد التأكيد
على أهمية توقف أصحاب العمل عن الممارسات
التي قد تلحق الضرر المباشر أو غير المباشر
بالمقاول من خلال عقود مقاولة متوازنة وآلية
سريعة لحسم النزاعات وميكانيكية دفع محددة.
المشاكل والمعوقات التي تواجه البنوك في
تمويل قطاع الإنشاءات:
يعتقد بعض المقاولين بأن مجرد الحصول على
عطاء والاستعداد لتحويل مستحقاته هي المتطلب
الوحيد للحصول على التمويل من البنوك. ويغيب
عن بال الكثيرين بأن قدرة المقاول وخبرته
وسعره وشروط العقد ومعدلات التضخم والجهاز
الآلي والفني المتاح والمشاريع الأخرى التي
يمولها وماضيه في التنفيذ هي عوامل هامة
تحدد مع غيرها من العوامل إمكانية أو عدم
إمكانية الحصول على التمويل. إن البنوك
لديها الرغبة والقدرة والموارد الكافية
لتمويل المقاولين بمبالغ أكبر بكثير مما هو
مقدم وبطرق أفضل مما هو معمول به، إلا أنه -
ومن وجهة نظر البنوك- هناك العديد من
المشاكل التي نواجهها في تمويل هذا القطاع
نتمنى على الكثيرين أن يتفهموها من خلال
نظرة متوازنة بين مصالح الطرفين وأستطيع أن
أعدد بشكل سريع بعضاً من هذه المشاكل:
1.
ارتفاع المخاطر وارتفاع نسبة الإخفاق هي
سمات يتصف بها هذا القطاع في كل بلدان
العالم وليس الأردن فقط، وهذه السمات ناتجة
عن حدة المنافسة وتدني الهوامش الربحية،
ولا تستطيع البنوك تقديم التمويل دون التحوط
الكاف لكل المخاطر المتوقعة.
2.
عدم قدرة مهنة المحاسبة على تقديم قوائم
مالية تمثل حقيقة وضع المقاول وذلك بسبب
إعدادها في كثير من الأحيان على أسس فيها
الكثير من التقدير تؤدي بالبنوك مرة أخرى
إلى تفادي الغموض بالحذر.
3.
صعوبة السيطرة على التدفقات النقدية الداخلة
والخارجة للمشروع لأن أهم عنصر في التمويل
القائم على التدفقات النقدية هو إمكانية
السيطرة عليها، وعندما تطلب البنوك السيطرة
على الصرف والإيرادات توصف طلباتها
بالمبالغة والتعقيد.
4.
تعرض الدفع للمقاول إلى التأخر وعدم
الانتظام، الأمر الذي يؤدي إلى انحرافات
شديدة في التدفقات النقدية وزيادة في الكلفة
والمزيد من التمويل غير المخطط له مما يؤدي
إلى تحول المشاريع الرابحة إلى مشاريع خاسرة
الأمر الذي يجعل البنوك في خوف دائم من
التعرض لمخاطر لا ترغب في تحملها.
5.
من أهم الضمانات في تمويل المقاولين هو
تحويلهم مستحقاتهم للبنك الممول. وإذا لم
تكن هناك حماية قانونية قطعية لهذا التحويل،
فقد يفاجأ الممول بتوقف التحويل أو الحجز
عليه من قبل دائني المقاول أو استعماله
للدفع لمتعهدين فرعيين أو استرداداً لحق
صاحب العمل على المقاول. من جهة أخرى ورغم
الجدل الطويل حول تحويل المستحقات فلا زال
هذا الأمر لم يحسم بعد، فبعض الجهات
الحكومية تقوم بالدفع للمقاول رغم تعهدها
خطياً بالدفع لحسابه في البنك وبعضها يرفض
التحويل والكثير منها يعطي نصوص عائمة تضع
البنوك في مخاطر عالية.
6.
وجود أولوية، بالإضافة إلى حق الاحتجاز،
لصاحب العمل على آليات المقاول الموجودة في
الموقع، حتى لو كانت مرهونة للبنك الممول،
الأمر الذي يحد كثيراً من قيمة الآليات
كضمانة.
7.
طول إجـراءات استلام العمل المنجز، ونشوء
الكثير من الخلافات حول بعض الأمور، مما
يؤخر استلام المحتجزات وإعادة الكفالات
وبالتالي إطالة التزام المقاول.
8.
عندما يصادر المشروع تصادر الكفالات بكاملها
حتى لو كانت الكلفة الباقية للمشروع أقل
بكثير من قيمة الكفالات.
9.
التأثير المتبادل في المشاريع المختلفة
للمقاول وعدم الفصل بينها مالياً ومحاسبياً
وتمويلياً (وذلك لتسهيل عملية التمويل من
خلالها) برغم ارتباط البنك الممول بمشروع
واحد.
10.
طوارئ الوقت والإدارة والظروف القاهرة التي
تسبب طول فترة تنفيذ العقود.
تمويل المشاريع
(Project Financing)
كمدخل متطور لتمويل المقاولات:
يعتبر تمويل المشاريع أداة تمويلية حديثة
نسبياً تم تطويرها خلال الربع الأخير من
القرن الماضي بهدف توفير التمويل اللازم
للمشاريع الضخمة ذات الاحتياجات المالية
الكبيرة، وذلك باستعمال فلسفة تسليفية تختلف
في الإجراء والمضمون عن فلسفة التسليف
المصرفي التقليدي. ففلسفة التمويل التجاري
التقليدي تركز بصورة أساسية على المقترض
نفسه وتقييم مجموعة العناصر الخاصة بوضعه من
حيث مبلغ القرض المطلوب، مصادر الدخل
والتسديد المتاحة له، إمكانيات الوفاء
بالتزاماته، الضمانات المقدمة، الملاءة
المالية والائتمانية، بالإضافة إلى تركيز
خاص على العناصر المعنوية مثل سمعة المقترض
ومدى استعداده للالتزام بما يتعهد به. أما
فلسفة تمويل المشاريع، فتقوم على الإقراض
المستند إلى قدرة المشروع على توليد دخل
كافي لخدمة دينه، كما تعتمد على موجوداته
المادية أكثر من اعتمادها على ملاءة
المقترض.
ففي تمويل المشاريع، يقوم المقرض، قبل منح
القرض، بتقييم ودراسة المشروع الممول بمعزل
عن مؤسسيه وذلك من حيث كافة العقود المرتبطة
به، اقتصادياته وتدفقاته النقدية المتوقعة
كمصدر رئيسي لسداد ديونه، ومن ثم تقييم
موجودات المشروع كضمانة أساسية للقرض
المطلوب في حال فشل المشروع. أما فيما يتعلق
بصاحب المشروع، فيتم تقييمه من حيث قدرته
على إدارة المشروع وتوفير أموال إضافية في
حال زيادة كلفة المشروع عن التقديرات
الأولية.
ويعتمد نجاح عملية تمويل المشاريع بصورة
كبيرة على إدراك المعادلة الصعبة في تمويل
المشاريع ، والمتمثلة في تضارب الأهداف
والغايات لأطراف العملية، وإيجاد التوليفة
الأنسب لها. فأصحاب المشروع يرغبون في
الحصول على تمويل للمشروع نفسه دون أن يكون
لهذا التمويل أي أثر في ميزانياتهم، ولا
يدخلهم كمسؤولين عن نتائجه. وفي المقابل،
يرفض المقرضون تحمل أية مخاطر غير عادية من
المفروض أن يتحملها أصحاب المشروع، لذا يرون
ضرورة وجود ضمانات لتسديد ديونهم، سواء كان
هذا التسديد سيتم من واردات المشروع نفسه،
أو من قبل أصحابه، أو حتى من طرف ثالث صاحب
مصلحة في إنجاز المشروع. ولهذا، فإن سر
النجاح في عملية تمويل المشاريع يكمن في وضع
تركيبة مالية تتضمن أدنى حد ممكن من الرجوع
على أصحابه، مع توفير مساندة ودعم كافيين
للمشروع من خلال حصول المقرضين على ضمانات
أو كفالات أو تعهدات من أصحاب المشروع أو
أية أطراف ثالثة، بحيث تكون كافية لتغطية
مخاطر الإقراض. ويمكن الوصول لهذه الغاية
بدمج مجموعة من التعهدات والكفالات، التي
يمكن الحصول عليها من الأطراف المهتمة
بالمشروع.
إلى جانب ذلك، هناك العديد من العناصر
المطلوب توافرها في المشاريع التي يمكن
تمويلها من خلال هذه الأداة التمويلية
الهامة
(Project Financing)،
والتي يتوجب على أصحاب المشروع والمقرضين
العمل معاً للتأكد من وجودها ومعالجتها لأجل
تفادي المخاطر التي قد تنجم في حال غياب أي
منها:
·
وجود دراسة جدوى مقبولة في نتائجها، مع
الأخذ بعين الاعتبار سيناريو أسوأ الحالات.
·
وجود خطة مالية واضحة تبن كلفة المشروع
ومصادر تمويله وبرنامج التسديد.
·
توافر مصادر الطاقة والمواد الخام بكلفة
معقولة.
·
وجود أسواق للسلعة المزمع إنتاجها قادرة على
استيعاب إنتاج المشروع.
·
توافر وسائل النقل والاتصالات المناسبة
وبكلفة معقولة.
·
أن يكون المقاول المنفذ والمشغل ذوو خبرة
وموثوقين إلى جانب جهاز إداري كفء.
·
توافر الرخص والموافقات الرسمية اللازمة.
·
أن يكون بالإمكان تغطية مخاطر الصرف وأن
تؤخذ احتمالات التأخير في إنجاز المشروع
بعين الاعتبار.
·
تقديم رأسمال مناسب للمشروع مع وجود تفكير
في كيفية مواجهة زيادة التكاليف.
·
أن تكون للمشروع قيمة كضمانة إلى جانب وجود
تأمين مناسب على المشروع.
·
أن يكون هناك تفكير في القوة القاهرة
وآثارها.
·
أن يكون العائد المتوقع على كل من الموجودات
وحقوق المساهمين مناسباً.
·
أن يكون هناك توقع مناسب بالنسبة للأسعار
ومعدلات الفائدة والتضخم.
إلى جانب المخاطر المرتبطة بالعناصر أعلاه،
هناك العديد من المخاطر الأخرى التي عادة ما
تكون مرتبطة مع أنواع معينة من المشاريع
الممولة، كمشاريع البنية التحتية من مياه
وكهرباء وخلافه. ففي حالة مشاريع المياه،
لا يستطيع المنتجون التوقف عن تزويد المياه
للمستهلكين تحت أي ظرف من الظروف، كما أنه
من الصعب جداً في مثل هذا النوع من المشاريع
تعديل أسعار السلعة المنتجة لوجود اعتبارات
أخرى تمنع ذلك. ولهذا، تقوم الحكومات عادة
بتقديم الدعم والمساندة لتلك المشاريع خلال
فترة الإنشاء لتمكين المنتجين من تسعير
منتجاتهم بصورة معقولة. وقد يأخذ الدعم
الحكومي شكل كفالة حكومية تضمن توفير حد
أدنى من التدفقات النقدية الكافية لخدمة
الدين المشروع وتحقيق عائد مناسب لأصحابه.
هذا، وقد اتسع نطاق استخدام هذه الأداة
بصورة كبيرة وفعالة في الآونة الأخيرة في
مجال توفير التمويل اللازم للمشاريع ذات رأس
المال الكثيف وتلك المشاريع التي، إما أن
تعجز القدرات المنفردة لبعض الجهات عن
تمويلها، أو لأنه قد يتعذر على هذه الجهات
تحمل مخاطر الرجوع عليها بديون هذه المشاريع
إن هي تحملت مسئوليتها، وذلك من خلال قدرتها
على الفصل التام بين موجودات المشروع
وتدفقاته النقدية وموجودات أصحابه، وقدرتها
على فصل التقويم الائتماني المرتبط بمنح هذا
التمويل عن التقويم الائتماني لأصحابه،
لقيامه بالدرجة الأولى على أساس جدوى
المشروع نفسه.
تجربة البنوك الأردنية في مجال تمويل
المشاريع:
لا تزال تجربة البنوك الأردنية في مجال
تمويل المشاريع
(Project Finance)
تجربة محدودة وقصيرة. فحتى منتصف عقد
الثمانينات، لم يكن هناك حاجة لمثل هذا
النوع من التمويل وذلك لصغر حجم المشاريع
المقامة ومحدودية احتياجاتها التمويلية.
إلا أنه خلال النصف الثاني من عقد
الثمانينات وبداية التسعينات، ظهرت الحاجة
إلى تمويل المشاريع مدفوعة بتسارع وتيرة
النمو الاقتصادي وتوسع القطاع الصناعي. وقد
تمكنت البنوك الأردنية خلال تلك الفترة من
تلبية الطلب المتزايد على الإقراض كبير
الحجم نسبياً من خلال قروض قصيرة ومتوسطة
الأجل وقروض أخرى أكبر حجماً وأطول أجلاً
أخذت شكل قروض تجمع مصرفي.
فحتى بداية السبعينات، كانت السياسات
التسليفية للبنوك الأردنية مقتصرة على
الإقراض التقليدي قصير الأجل، والذي كان
عادة ما يتم منحه للقطاع التجاري من خلال
خصم الأوراق التجارية أو فتح حسابات الجاري
مدين لتمويل احتياجات رأس المال العامل. وقد
كان السبب الرئيسي في قصر آجال القروض
الممنوحة من قبل البنوك هو طبيعة مطلوباتها
من الودائع وأعمارها التي كانت تتمحور حول
السنة كحد أقصى، إلى جانب غياب البنك
المركزي ومؤسسات الإقراض المتخصصة. إلا أن
عدم توفر التمويل طويل الأجل كان أمراً غير
ملحوظاً بصورة كبيرة نظراً لغياب الطلب على
هذا النوع من الإقراض.
وقد تغير هذا الوضع بصورة كبيرة بعد تأسيس
البنك المركزي وظهور العديد من مؤسسات
الإقراض المتخصص والبدء في التخطيط التنموي
والأثر الإيجابي الذي تركه ذلك على مستويات
الطلب على القروض طويلة الأجل. فأصبحت
البنوك الأردنية تجد جرأة أكبر في مد آجال
قروضها والتوسع في الإقراض المتوسط الأجل
مدفوعة بالتغيرات التي طرأت على تركيبة
ودائعها باتجاه زيادة آجالها.
لقد مر الجهاز المصرفي الأردني خلال العقدين
السابقين بتغيرات وتطورات عديدة امتدت لتشمل
فلسفة وسياسات الإقراض والاستثمار، حيث بدأت
البنوك الأردنية تدخل سوق الإقراض الأطول
أجلاً نسبياً، وقامت العديد من هذه البنوك
بتأسيس دوائر خاصة بالاستثمار والدراسات
لتحديد المشاريع المجدية تمهيداً لإقراضها
والاستثمار فيها بصورة مباشرة. ومع ذلك، بقي
الإقراض ذو الآجال التي تزيد عن 7
–
8 سنوات غائباً عن السوق المالية الأردنية.
لقد تأخر تطوير وتطبيق فكرة تمويل المشاريع
(Project Finance)
في السوق الأردني بسبب محدودية وضيق سوق رأس
المال. فحتى الآن، لا يزال سوق رأس المال
الأردني مقتصراً على أسهم الشركات المتداولة
في سوق عمان المالي في حين أن سوق السندات
لا يزال في مراحل تطوره الأولى وذلك بحجم
إصدارات أولية محدود للغاية وتداول غير
موجود تقريباً في السوق الثانوية، حيث يرجع
السبب في ذلك بصورة رئيسية إلى غياب مؤسسات
التصنيف الائتماني وصناع الأسواق في السوق
الأردنية. ولا شك في أن ضعف السوق الرأسمالي
في الأردن يجعل من الصعب جداً الحصول على
قروض وتسهيلات ائتمانية بآجال تتجاوز فترة 8
سنوات.
لقد تزايد الوعي مؤخراً بأهمية تمويل
المشاريع كأحد الأدوات التمويلية الهامة
اللازمة لتوفير الائتمان للمشاريع الضخمة في
الأردن والمنطقة بصورة عامة. فخلال عقد
التسعينات، تزايدت الحاجة إلى توفير تمويل
أكبر حجما وأطول أجلاً لمشاريع عديدة مقترحة
أثر تبني الأردن لبرنامج خصخصة وطرح العديد
من المشاريع لاستثمار القطاع الخاص. وهنا
يبرز دور تمويل المشاريع كأحد الآليات
الرئيسية المطروحة لتوفير التمويل اللازم
لتلك المشاريع. هذا، وقد شكلت تلك التطورات
تحديات جدية بقدر ما شكلت فرصاً حقيقية
للجهاز المصرفي الأردني للمشاركة في تمويل
تلك المشاريع بعد ثبوت جدواها.
هذا، وقد استطاعت البنوك الأردنية أن توفر
خلال السنوات السابقة جزءاً كبيراً ورئيسياً
من الاحتياجات التمويلية للعديد من المشاريع
الضخمة داخل الأردن، حيث يبرز مثالان واضحان
على تلك المشاريع، وهما مشروع الشركة
الهندية الأردنية للكيماويات بكلفة (170)
مليون دولار ومشروع الشركة اليابانية
الأردنية للأسمدة بكلفة (85) مليون دولار.
وفي هاتين الحالتين، تعاونت البنوك المحلية
مع المؤسسات الدولية (مؤسسة التمويل الدولية
/
IFC)
ووكالات تمويل الصادرات ومجموعة من البنوك
الدولية من أجل تقديم توليفة مالية مختلطة
لتلك المشاريع.
وبالرغم من ذلك، وأخذا بمستواها الحالي من
التطور، لا تزال البنوك الأردنية لوحدها غير
قادرة على تغطية مجمل الاحتياجات التمويلية
طويلة الأجل في السوق الأردني. ولا تزال
البنوك الأردنية بحاجة إلى أن تكون خلاقة
أكثر في إيجاد مصادر ووسائل تمويل جديدة.
بالإضافة إلى ذلك، يتوجب على البنوك أن تقوي
علاقاتها مع المؤسسات المالية العربية
والدولية متعددة الأطراف، والتي لم تستغل
قواعدها الرأسمالية بصورة كاملة بعد.
هذا، ومن الممكن أن تتم مقابلة تلك
الاحتياجات المالية المتزايدة من خلال
التعاون ما بين البنوك التجارية ومؤسسات
الإقراض إلى جانب استغلال الأسواق المالية
المحلية والإقليمية والعالمية. ولا شك في أن
هذه الرقعة التمويلية الواسعة قادرة على
تغطية جزء كبير من الاحتياجات التمويلية
طويلة الأجل لمشاريع ضخمة عديدة تغطي مختلف
القطاعات الاقتصادية في المملكة، هي حاليا
مؤجلة التنفيذ بانتظار توفير تمويل مناسب من
حيث الكم والأجل.
الخلاصة:
خلاصة القول بأن قطاع المقاولات هو قطاع هام
يواجه عدة مشكلات ذات علاقات مترابطة منها
المنافسة والعلاقة مع أصحاب العمل والعلاقة
مع البنوك. وتدرك البنوك بكثير من الوعي دور
هذا القطاع وأهميته وحاجته إلى التمويل، لكن
رغبتها في تقديم التمويل له تتأثر إلى حد
كبير في المشكلات التي يعاني منها القطاع،
لذا فإن تضافر جهود جميع الأطراف ومن بينها
أصحاب العمل والمقاولين أنفسهم ستؤدي بلا شك
إلى تحسين فرص قطاع المقاولات بالحصول على
احتياجاته التمويلية، وقد قطعت البنوك خطوات
جيدة في هذا الاتجاه وسيساعدها على القيام
بدورها خطوات واضحة من الأطراف الأخرى خاصة
قيام المقاولين بتعزيز مواردهم والعمل
بمؤسسية. |